"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

حين تصبح السيادة أغلى من النفط

رئيس التحرير: فارس خشّان
الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

تلوح أمام العراق وسوريا ولبنان فرصة اقتصادية نادرة: أن تتحول جغرافيتها من ساحة للصراعات وتقاطعات النفوذ إلى شبكة استراتيجية للنفط والتجارة والنقل والاتصالات، تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا.

لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة الخرائط على رسم الممرات، بل بقدرة الدول على حمايتها وإدارتها.

فالممر الاقتصادي لا يعيش بالأنابيب والسكك والمرافئ وحدها. يحتاج قبل كل شيء إلى سلطة شرعية، وأمن مستقر، ومؤسسات قادرة على تحويل حركة العبور إلى ثروة وطنية.

وقد توقفت مراكز أبحاث ودراسات اقتصادية واستراتيجية عدة أمام هذه الفرص، محاولة استشراف ما يمكن أن تنتجه إعادة رسم طرق الطاقة والتجارة في المنطقة.

ومن بين هذه القراءات، دراسة للباحث ريناد منصور، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومدير مبادرة العراق في «تشاتام هاوس»، تتناول الفرص التي يمكن أن تنشأ بفعل التحولات الجارية في طرق الطاقة والتجارة.

لكن أهمية النقاش لا تكمن في الأرقام والمشاريع وحدها، بل في الفجوة الهائلة بين الطموح الاقتصادي والواقع السياسي.

وهذه الفجوة لا تخص العراق وحده. إنها تمتد إلى سوريا ولبنان، حيث تصطدم المشاريع الإقليمية في النهاية بعقبة واحدة: السيادة وقدرة الدولة على حماية الفرص وإدارتها وتحويلها إلى مكاسب مستدامة.

العراق يبحث عن الغرب

يدفع اضطراب مضيق هرمز العراق إلى التفكير بجدية أكبر في بدائل لتصدير النفط عبر تركيا والأردن، وصولًا إلى مشاريع لنقله غربًا عبر العراق وسوريا نحو المتوسط.

لكن النفط ليس سوى البداية.

فإعادة تأهيل السكك الحديدية يمكن أن تفتح ممرًا يربط العراق وسوريا بتركيا والخليج والمتوسط، فيما تبرز مشاريع للكابلات والألياف الضوئية قادرة على منح المنطقة مسارات برية جديدة لنقل البيانات.

إنها، باختصار، إمكانية إعادة رسم وظيفة الجغرافيا نفسها.

لبنان.. قيمة الموقع قبل النفط

هنا يدخل لبنان المعادلة.

فإعادة تأهيل خط السكك بين طرابلس وحمص يمكن أن تمنح المرفأ الشمالي صلة مباشرة بشبكة تمتد عبر سوريا باتجاه العراق وتركيا والخليج.

ولا يتعلق الأمر بعبور البضائع فقط.

حول هذا الممر يمكن أن ينشأ اقتصاد كامل يقوم على النقل والترانزيت والتخزين والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية والطاقة والاتصالات.

وبذلك يمكن لطرابلس، إذا توافرت الشروط السياسية والأمنية والإدارية، أن تنتقل من هامش الاقتصاد اللبناني إلى عقدة تصل عمقًا عربيًا واسعًا بالمتوسط.

لكن هنا، تحديدًا، تبدأ المشكلة.

الجغرافيا وحدها لا تكفي

الطرق تحتاج إلى أمن. والاستثمارات تحتاج إلى مؤسسات. والعقود الطويلة الأمد تحتاج إلى دولة تستطيع ضمانها.

لذلك فإن الفساد، وتعدد مراكز القوة، ووجود جماعات مسلحة خارج سلطة المؤسسات، ليست ملفات سياسية منفصلة عن الاقتصاد.

إنها عوائق اقتصادية مباشرة.

في العراق، لا يكفي امتلاك النفط إذا بقيت طرق تصديره عرضة للاضطراب.

وفي سوريا، لا تكفي الجغرافيا التي تربط العراق بالمتوسط إذا ظلت طرق العبور والمنشآت خاضعة لموازين القوى.

وفي لبنان، لا يكفي امتلاك مرفأ طرابلس وموقع استثنائي على المتوسط إذا عجزت الدولة عن ضمان أمن المرفأ والطرق والحدود واستمرارية المشاريع.

الثروة الحقيقية اسمها الدولة

المستثمر لا يبحث عن الطريق الأقصر فقط. يبحث عن الدولة التي تضمن العقد والقانون والتمويل والاستمرارية.

والممر الاقتصادي يحتاج إلى سلطة واحدة تستطيع أن تحميه من الصراع الداخلي، ومن تحوله إلى ورقة في النزاعات الإقليمية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

العراق وسوريا ولبنان قد تكون أمام فرصة لإعادة اكتشاف قيمتها الاقتصادية في خريطة المنطقة. لكن الجغرافيا التي تمنح هذه الدول فرصة استثنائية لا تستطيع إنقاذها من ضعف مؤسساتها.

فالأنبوب لا يصنع دولة، والسكك لا تبني مؤسسات، والمرفأ لا يتحول تلقائيًا إلى مركز إقليمي.

الدولة ذات السيادة هي التي تحول الأنبوب إلى اقتصاد، والمرفأ إلى نفوذ، والجغرافيا إلى استثمار، وحركة العبور إلى فرص عمل وثروة.

ولهذا، قبل أن تسأل بغداد ودمشق وبيروت عن الممرات التي يمكن أن تمر عبر أراضيها، ربما عليها أن تجيب عن سؤال أكثر إلحاحًا: هل توجد دولة قادرة على حماية الطريق عندما يصل إليها؟

المقال السابق
بعد توترات اليمن.. منصور بن زايد في الرياض: هل تعيد السعودية والإمارات ترتيب العلاقة؟
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

Table Of Contents

1
العراق يبحث عن الغرب
2
لبنان.. قيمة الموقع قبل النفط
3
الجغرافيا وحدها لا تكفي
4
الثروة الحقيقية اسمها الدولة

مقالات ذات صلة

«حزب الله»… أيّ غد؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية