لم يختر دونالد ترامب عبارة عابرة عندما أعلن أن الولايات المتحدة بدأت ما سماه «اليوم دي الاقتصادي» ضد إيران. فاستعارة اسم العملية العسكرية التي شكّلت نقطة التحول في الحرب العالمية الثانية ليست مجرد بلاغة سياسية؛ إنها محاولة لتقديم المواجهة مع طهران باعتبارها معركة حاسمة، لا جولة جديدة من العقوبات.
ترامب يقول إن إيران رفضت الفرصة تلو الأخرى للتوصل إلى اتفاق، ولذلك قرر الانتقال إلى ما وصفه بـ«أكثر عملية اقتصادية سحقاً» ضد دولة على الإطلاق، معلناً حرباً اقتصادية وعزلاً «على نطاق غير مسبوق». والأهم أنه لم يحصر أهدافه داخل إيران، بل وجه تهديداً مباشراً إلى أي دولة أو مؤسسة مالية أو شركة أو مطار أو جهة حكومية تمنح طهران «أ ي شريان حياة».
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
فواشنطن لا تريد فقط أن تمنع إيران من بيع النفط أو تحويل الأموال. إنها تريد إغلاق الشبكات التي تسمح لطهران بالالتفاف على العقوبات: تهريب النفط، التحويلات النقدية، شركات الصرافة، خطوط المقايضة، سجلات السفن والشركات الواجهة.
أي أن ترامب يحاول الانتقال من معاقبة إيران إلى معاقبة من يساعد إيران على الصمود.
وهذا فرق جوهري.
فإذا طبقت واشنطن هذا التهديد فعلياً، فلن تكون المعركة اقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل ستضع دولاً وشركات ومصارف أمام سؤال صعب: هل تستمر في التعامل مع طهران، أم تخاطر بمواجهة العقوبات الأميركية؟
ومن هنا يمكن أن تبدأ تداعيات لا تستطيع واشنطن التحكم بها بالكامل.
عندما يُحاصر الاقتصاد… تتحرك الجغرافيا
إيران ليست دولة معزولة جغرافياً عن العالم. فهي تقع على واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم، وتمتلك شبكة نفوذ تمتد من الخليج إلى العراق واليمن ولبنان وغزة.
ولهذا فإن خنق الاقتصاد الإيراني قد يدفع طهران إلى محاولة رفع كلفة الحصار خارج حدودها.
باب المند ب والبحر الأحمر يمكن أن يتحولا إلى ورقة ضغط على التجارة العالمية. والعراق يمكن أن يصبح ساحة أكثر حساسية في مواجهة المصالح الأميركية. ولبنان وغزة يظلان جبهتين يمكن أن تتأثرا بدرجات مختلفة من التصعيد.
لا يعني ذلك أن إيران ستفتح كل هذه الجبهات دفعة واحدة، أو أنها قادرة على التحكم بكل مسار فيها. لكن المنطق الذي يحكم هذه المرحلة قد يكون بسيطاً:
إذا أصبح الاقتصاد الإيراني هدفاً للحرب، فقد تصبح طرق التجارة والطاقة والنفوذ الإقليمي جزءاً من الرد.
وهنا يتحول السؤال من قدرة واشنطن على خنق إيران إلى قدرة المنطقة على تحمل نتائج هذا الخنق.
الحرس الثوري أمام معادلة جديدة
الحرس الثوري هو أحد الأطراف التي ستراقب هذا التصعيد بأكبر قدر من الحساسية.
فالعقوبات التي تستهدف النفط والتحويلات والشركات والشحن لا تضرب الاقتصاد المدني فقط، بل تضيق أيضاً المجال الذي تتحرك فيه المؤسسات المرتبطة بالدولة والحرس الثوري.
وقد تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة: كيف ترد من دون منح واشنطن ذريعة لتوسيع الحرب، وكيف تصمت من دون أن تبدو عاجزة أمام ضغط اقتصادي غير مسبوق؟
وهنا تصبح الحرب غير المباشرة أكثر جاذبية من المواجهة المباشرة.
الصين وروسيا تدخلان الحساب
المشكلة الأخرى أن ترامب لا يستطيع خنق إيران من دون الاقتراب من مصالح قوى كبرى.
الصين هي الشريك التجاري الأبرز لإيران ومشترٍ رئيسي لنفطها، وبالتالي فإن أي محاولة لإغلاق قنوات النفط والتمويل الإيرانية ستضع بكين أمام ضغوط أميركية إضافية.
أما روسيا، فقد بنت مع إيران خلال سنوات العقوبات شبكة من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي لمواجهة الضغوط الغربية.
وهكذا يمكن أن تتحول الحرب الاقتصادية على إيران إلى جبهة إضافية في المواجهة الأميركية مع الصين وروسيا.
ليس بالضرورة عبر مواجهة عسكرية، بل عبر صراع على التجارة والطاقة والعملات وأنظمة الدفع والممرات الاقتصادية.
وتركيا قد تجد نفسها في الوسط
تركيا بدورها ليست بعيدة عن هذه المعادلة.
فهي مرتبطة اقتصادياً وجغرافياً بإيران وروسيا، وفي الوقت نفسه جزء من المنظومة الغربية. وكلما توسعت العقوبات الثانوية، ازدادت صعوبة الحفاظ على هذا التوازن.
وقد تجد أنقرة نفسها أمام خيارات مؤلمة: الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران، أو تجنب العقوبات الأميركية، في وقت يمكن أن يؤدي فيه أي ا ضطراب في أسعار الطاقة أو طرق التجارة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد التركي.
وبذلك قد تتحول تركيا إلى أحد المتضررين غير المباشرين من حرب ترامب الاقتصادية على إيران.
وماذا عن أوكرانيا؟
حتى الحرب في أوكرانيا ليست بعيدة تماماً عن هذه المعادلة.
فإذا اتسعت المواجهة الأميركية في الشرق الأوسط، فإن اهتمام واشنطن السياسي والعسكري سيتوزع على أكثر من جبهة، بينما يمكن لموسكو أن ترى في انشغال الولايات المتحدة فرصة لتوسيع هامش المناورة في أوروبا.
وفي الاتجاه المقابل، قد يؤدي الضغط المتزامن على إيران وروسيا إلى تعزيز التعاون بينهما، بدلاً من دفعهما إلى التراجع.
وهكذا يمكن أن يبدأ «الإنزال» في إيران، لكن بعض ارتداداته قد تظهر في موسكو وبكين وأنقرة وحتى كييف.
هل بدأ «الإنزال» فعلاً؟
ترامب يريد أن يعطي انطباعاً بأن ساعة الحسم قد دقت.
لكن الفرق بين إنزال النورماندي وهذه الحرب كبير.
في عام 1944 كانت هناك جبهة عسكرية واضحة وهدف عسكري محدد. أما اليوم، فالمواجهة مع إيران شبكة معقدة من الاقتصاد والطاقة والمصارف والممرات البحرية والجبهات الإقليمية والقوى الكبرى.
ولهذا فإن الخطر لا يكمن فقط في ما ستفعله واشنطن، بل في ما ستفعله الأطراف الأخرى رداً على ما تفعله واشنطن.
ترامب يريد أن يجعل إيران تدفع ثمن رفضها الاتفاق.
لكن إيران قد تحاول أن تجعل العالم يدفع جزءاً من ثمن خنقها.
وهنا تكمن المفارقة.
«الإنزال» الذي بدأه ترامب اقتصادي، لكن ارتداداته قد تكون سياسية وأمنية وعسكرية.
وقد يبدأ الضغط في طهران، ثم ينتقل إلى باب المندب والعراق ولبنان وغزة، ويصل إلى أسواق الطاقة، ويضع تركيا أمام ضغوط جديدة، ويفتح فصلاً إضافياً في التنافس الأميركي مع الصين وروسيا.
لذلك، عندما يقول ترامب إن «اليوم دي الاقتصادي» بدأ، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المنطقة ليس فقط: ماذا سيحدث لإيران؟
بل:
ماذا سيحدث للمنطقة عندما تبدأ إيران بالرد على الحصار؟
لأن «الإنزال» هذه المرة قد لا يكون على شاطئ واحد. قد تكون المنطقة كلها هي ساحة الإنزال.