"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

من وعد بالقدس فأضاع الجنوب… يهدد الدولة ويعظها

رئيس التحرير: فارس خشّان
الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

“اللي استحوا ماتوا.”

قد تبدو هذه العبارة الشعبية خارج القاموس السياسي، لكنها ربما تكون الوصف الأدق لخطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. فأن يقف رجل يقود حزباً يتحمل مسؤولية واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث، ليهدد الدولة، ويوزع شهادات الوطنية، ويلقي عليها دروساً في السيادة، فذلك لا يثير الدهشة بقدر ما يثير سؤالاً واحداً: أين تبدأ الجرأة وأين ينتهي إنكار الواقع؟

لم يكن أخطر ما قاله قاسم هجومه على رئيس الجمهورية أو الحكومة، بل تهديده الصريح بأن حزب الله سيواجه كل من “ينخرط في المشروع الإسرائيلي” كما يواجه إسرائيل. هنا لا يعود الأمر مجرد خطاب سياسي، بل محاولة جديدة لتكريس حق حزب مسلح في تحديد من هو الوطني ومن هو الخائن، ومن يحق له أن يحكم ومن يجب إخضاعه.

وهذا النوع من التهديد لا يجوز أن يمر مرور الكرام. فلا يكفي الرد عليه ببيانات الاستنكار، بل يحتاج إلى موقف عملي يعيد تثبيت حقيقة بديهية: لا أحد، أياً كان، يملك حق تهديد الدولة اللبنانية أو مسؤوليها أو مؤسساتها بقوة السلاح أو بمنطق السلاح.

لكن المفارقة الكبرى أن نعيم قاسم اختار أن يقدم نفسه واعظاً للدولة في كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل.

والحقيقة أن آخر من يحق له إعطاء المواعظ في هذا الملف هو الأمين العام لحزب الله.

فما الذي حققه الحزب للبنان حتى يمنح نفسه حق محاسبة الآخرين؟

سنوات طويلة وهو يرفع شعار “الطريق إلى القدس”. واليوم لم يعد أحد يسمع عن القدس. لم يعد الخطاب يتحدث عن تحرير فلسطين، ولا عن الجليل، بل أصبح أقصى الطموح تثبيت الوجود في القرى الحدودية والسعي إلى استعادة بنت جبيل وسواها من البلدات التي تحولت إلى ساحات حرب. بين القدس وبنت جبيل تختصر المسافة الحقيقية بين الشعارات والنتائج.

أما الإنجاز الوحيد الذي لا يستطيع أحد إنكاره، فهو أن إسرائيل عادت إلى جنوب لبنان بعدما كان الحزب يتباهى بأنه طردها منه. وعادت معها مشاهد الاحتلال، والدمار المنهجي، والقرى المحروقة، والبنية التحتية المدمرة، وعشرات آلاف المنازل التي سويت بالأرض، فيما لا يزال نحو سبعمئة ألف لبناني يعيشون آثار النزوح والخسائر وانعدام الاستقرار.

ومع ذلك، لا يزال الحزب يسمي كل ذلك “انتصاراً”.

لقد أصبح تعريف الانتصار عند حزب الله مجرد البقاء بعد الكارثة، لا منع وقوعها. وكأن اللبنانيين مطالبون بالاحتفال لأن الحزب لم يُقضَ عليه، لا بالسؤال لماذا دفع وطنهم كل هذا الثمن، ولماذا عاد الاحتلال إلى أرض قيل إنها تحررت إلى الأبد.

وإذا كان السلاح يقاس بنتائجه، فإن السؤال المشروع اليوم هو: أي سلاح تحرير هذا الذي انتهى إلى إعادة الاحتلال، واستجلاب الحرب، وترك الجنوب مدمراً وأهله نازحين؟ لقد أصبح من المشروع القول إن السلاح الذي قيل إنه يطرد الاحتلال تحول، عملياً، إلى سلاح يجذب الاحتلال، فيما يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن هذا الخيار.

أما حديث قاسم عن إيران، فقد أسقط آخر أوراق التوت عن ادعاء استقلالية القرار اللبناني. فهو لم يتحدث عن حليف، بل عن مرجعية تحدد مسار الحرب والسلم. تفاخر بأن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية هي التي أوقفت الحرب على لبنان، وربط مستقبل الجبهة الجنوبية بما تقرره طهران في مفاوضاتها مع واشنطن.

هذه ليست شراكة، ولا مجرد رهان سياسي، بل إعلان صريح عن تبعية سياسية واستراتيجية. فإذا كان وقف الحرب واستمرارها، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الجنوب، كلها ملفات يقررها التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، فأين القرار اللبناني الذي يتحدث عنه الحزب؟ وأين السيادة التي يحتكر الحديث باسمها؟

ولعل عبارة قاسم: “نفخر أن نكون مع إيران وأن تكون إيران معنا” تختصر الحقيقة بأكثر مما تختصرها عشرات التحليلات. إنها ليست عبارة تضامن، بل تعريف واضح لهوية المشروع الذي ينتمي إليه الحزب، حتى عندما تتعارض أولوياته مع مصالح الدولة اللبنانية.

وفي الملف السوري، حاول قاسم الإيحاء بأن دمشق تفتح له أبوابها، مستنداً إلى كلام الرئيس السوري أحمد الشرع عن عدم الممانعة في لقاء حزب الله إذا كان ذلك يخدم لبنان. لكنه اقتطع من كلام الشرع ما يناسبه، وتجاهل الشق الأهم فيه. فالشرع نفسه وصف وجود تنظيم مسلح خارج إطار الدولة، مثل حزب الله، بأنه كارثة على لبنان، وأكد أن سوريا ستساعد الدولة اللبنانية في جهودها لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ونزع سلاح الحزب.

مرة جديدة، اختار قاسم نصف الحقيقة، لأن نصفها الآخر يهدم الرواية التي يحاول تسويقها.

إن خطاب نعيم قاسم ليس خطاب المنتصر، بل خطاب من يرفض الاعتراف بحصيلة مشروعه. فمن وعد بالقدس انتهى إلى الدفاع عن بنت جبيل. ومن قال إن سلاحه يحمي لبنان، انتهى إلى إعادة إسرائيل إلى الجنوب. ومن تحدث عن التحرير، خلّف وراءه مدناً مدمرة وقرى خالية وعائلات نازحة. ومن يفاخر بالسيادة، يعترف في الوقت نفسه بأن مفاتيح الحرب والسلم موجودة في طهران.

لذلك، فإن أخطر ما في هذا الخطاب ليس ما قاله عن إسرائيل، بل ما قاله للبنانيين. أراد أن يقول لهم إن الحزب لا يزال يحتكر تعريف الوطنية، ويملك حق تهديد الدولة إذا لم تخضع، ويعتبر نفسه المرجعية التي تعطي السلطة دروساً في إدارة البلاد.

أما الرد الحقيقي، فلا يكون بسجال إعلامي، بل بإعادة الاعتبار إلى الدولة وحدها، وإلى حقها الحصري في القرار والسلاح والسيادة.

لأن الدولة التي تسمح لمن وعد بالقدس فأضاع الجنوب بأن يهددها اليوم، لن تكون غداً سوى ظل دولة. لقد تحول تعريف الانتصار عند حزب الله إلى مجرد البقاء بعد الكارثة، لا منع وقوعها. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يحتفلوا لأن الحزب لم يُهزم بالكامل، لا أن يسألوا لماذا دُمرت مدنهم وقراهم أصلاً، ولماذا عاد الاحتلال إلى أرض كانوا يسمعون أنها أصبحت محررة إلى الأبد.

والأكثر إثارة للسخرية أن الحزب لا يزال يقدم سلاحه على أنه “سلاح تحرير”، بينما تشير الوقائع إلى نتيجة معاكسة تماماً. فهذا السلاح الذي قيل إنه يطرد الاحتلال انتهى، في نظر كثير من اللبنانيين، إلى استدراج الاحتلال والحروب. وكلما ارتفع منسوب السلاح، ارتفع معه منسوب الدمار والتهجير والخسائر، فيما بقي المدنيون وحدهم يدفعون الثمن.

ولم يتوقف الخطاب عند حدود الداخل. فقد جاءت كلمة قاسم لتكشف، مرة جديدة، أن قرار الحزب الاستراتيجي ليس لبنانياً. فهو لم يتحدث عن إيران بوصفها دولة حليفة، بل بوصفها المرجعية التي تحدد مسار الحرب والسلم. تفاخر بأن طهران فرضت وقف الحرب على لبنان عبر مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وربط مستقبل الجبهة اللبنانية بما تقرره إيران في مفاوضاتها مع واشنطن.

وهنا لا يعود الحديث عن “تحالف” أو “رهان” على إيران، بل عن تبعية سياسية واستراتيجية يعلنها الحزب بنفسه. فإذا كان وقف الحرب، واستمرارها، ومستقبل الجنوب، وحتى مصير لبنان، كلها ترتبط بما تتفاوض عليه طهران مع واشنطن، فأين هي السيادة اللبنانية التي يتحدث عنها الحزب في كل خطاب؟

ولعل أكثر ما فضح هذا الارتباط هو إعلانه “نفخر أن نكون مع إيران وأن تكون إيران معنا”. عبارة تختصر هوية المشروع الحقيقي الذي يدافع عنه الحزب، والذي يضع لبنان، مرة بعد مرة، في خدمة أولويات إقليمية لا في خدمة مصالح اللبنانيين.

وفي الملف السوري، حاول نعيم قاسم تسويق انفتاح دمشق عليه، مستنداً إلى كلام الرئيس السوري أحمد الشرع عن عدم وجود مانع من لقاء حزب الله إذا كان ذلك يخدم لبنان. لكنه تعمد تجاهل الشق الأساسي من كلام الشرع، وهو الأهم سياسياً. فالشرع وصف وجود تنظيم مسلح خارج الدولة، مثل حزب الله، بأنه كارثة على لبنان، وأكد أن سوريا ستدعم الدولة اللبنانية في جهودها لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ونزع سلاح الحزب.

استعار قاسم الجملة التي تناسبه، ودفن الفقرة التي تنسف مشروعه.

وهذا ليس تفصيلاً، بل يعكس حجم التحول في النظرة السورية إلى حزب الله. فدمشق التي كانت لعقود الممر الاستراتيجي للحزب، باتت تتحدث اليوم بلغة الدولة، لا بلغة الميليشيات، فيما لا يزال الحزب يتصرف وكأن الزمن لم يتغير.

إن خطاب نعيم قاسم ليس خطاب قوة، بل خطاب إنكار. إنكار للوقائع، وللخسائر، وللتحولات التي أصابت لبنان والمنطقة. وهو خطاب يصر على تكرار الشعارات نفسها بعدما سقطت نتائجها على رؤوس اللبنانيين حجارةً وركاماً ونزوحاً.

أما الدولة اللبنانية، فإن امتحانها الحقيقي يبدأ من هنا: ليس بالرد على الاتهامات، بل برفض منطق الوصاية والتهديد. لأن الدولة التي تقبل أن يُملي عليها حزب مسلح كيف تفاوض، وكيف تحكم، وكيف تقرر، لن تكون دولة، بل مجرد إدارة تعمل تحت سقف القوة التي يحتكرها غيرها.

المقال السابق
نعيم قاسم يهادن سوريا ويراهن على ايران ويهاجم السلطة اللبنانية ويهددها: سنواجه من ينخرط في المشروع الإسرائيلي كما نواجه إسرائيل
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

استشهد… ولا تنتحر يا رياض

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية