كانت تلة علي طاهر، طوال الأسابيع الماضية، أكثر من مجرد مرتفع استراتيجي في جنوب لبنان. شيئاً فشيئاً، تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمعادلة النفوذ الإيراني في لبنان، ولحدود استعداد طهران للدفاع عن المواقع التي جرى تقديمها على أنها جزء من أمنها الإقليمي المتصل بجبهة «المقاومة».
في الصحافة الإسرائيلية، وفي جانب من التعليقات والتحليلات اللبنانية الممانعة التي ضجت بها وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ارتفع اسم علي طاهر إلى مستوى غير مسبوق. لم يعد الحديث عن تلة يسيطر عليها «حزب الله» فحسب، بل عن موقع استراتيجي يختزن منشآت تحت الأرض، ويُقال إن الإيرانيين كانوا حاضرين في بنيته العسكرية أو على تماس مباشر معه. ووصل الأمر إل ى وصفه بأنه «مضيق هرمز اللبناني»، أي الموقع الذي لا يمكن لطهران أن تسمح بخسارته إذا كانت تريد الحفاظ على صورة نفوذها وقدرتها على حماية حلفائها.
ثم جاء محمد باقر قاليباف ليضيف بُعداً إيرانياً مباشراً إلى هذه الرواية. رئيس مجلس الشورى الإيراني قال في آب إنه لا يزال على تواصل مع «المقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان». وفي سياق الكلام الذي كان يدور آنذاك حول علي طاهر، اكتسب التصريح دلالة خاصة: إيران تقول، بصورة غير مباشرة، إنها موجودة في المعركة، وإن ما يجري في الجنوب اللبناني ليس شأناً لبنانياً محضاً.
ولم يكن ذلك التصريح وحده. فقد سبقت سقوط علي طاهر تقارير عن تحذير إيراني لواشنطن من أن هجوماً إسرائيلياً واسعاً على المرتفع سيستدعي رداً إيرانياً قوياً، بل تحدثت مصادر عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب مقاتلي «حزب الله» في الموقع. هكذا بدا أن طهران رفعت علي طاهر إلى مستوى خط أحمر، أو أرادت على الأقل أن توحي بذلك.
لكن الاختبار الحقيقي لم يكن في الكلام.
الاختبار جاء عندما أصبحت التلة أمام لحظة السقوط.
في 4 أيلول، أعلنت إسرائيل أنها فرضت «سيطرة عملياتية» على علي طاهر، فوق الأرض وتحتها، وأنها فككت شبكة الأنفاق والمنشآت التي قالت إنها مركز قيادة لـ«قوة بدر». والأهم أن الإعلان الإسرائيلي لم يأتِ بعد معركة خاطفة أو اقتحام صاخب، بل بعد أسابيع من الحصار والعمليات المتدرجة، فيما تحدثت إسرائيل عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين.
وهنا تصبح المفارقة أكبر من التلة نفسها.
إيران التي حذرت من عواقب الهجوم على علي طاهر، والتي كان أحد أبرز مسؤوليها يقول إنه على اتصال بالمقاتلين في الخطوط الأمامية، لم تطلق حرباً من أجل علي طاهر.
لم تتحول التهديدات إلى مواجهة إيرانية ـ إسرائيلية.
لم تُفتح جبهة جديدة.
ولم تقصف تل ابيب!
لقد كان المرتفع اختباراً لمصداقية «الحماية الإيرانية» أكثر مما كان اختباراً لقدرة «حزب الله» على القتال. طوال الفترة السابقة، جرى التعامل مع الموقع وكأنه عقدة إيرانية ـ إسرائيلية على الأرض اللبنانية. وحين اقتربت إسرائيل منه، ارتفع منسوب الكلام عن إيران، وعن الحرس الثوري، وعن «المقاتلين في الخطوط الأمامية»، وعن الرد الكبير.
ثم، عندما سقطت التلة، حلّ الصمت.
وهذا الصمت هو الخبر.
ليس لأن إيران مطالبة بأن تخوض حرباً من أجل كل موقع يخسره حليفها في لبنان، فهذا تبسيط لا يصمد أمام حسابات الدول. بل لأن المشكلة تكمن في الفارق بين الصورة التي أرادت طهران أن تقدمها عن التلة، وبين السلوك الذي اعتمدته عندما أصبحت الصورة أمام امتحان الواقع.
لقد كشفت علي طاهر أن هناك فارقاً بين النفوذ الإيراني وبين الحماية الإيرانية. النفوذ يمكن أن يكون واسعاً، والتمويل عميقاً، والتسليح كبيراً، والارتباط السياسي متيناً، لكن ذلك كله لا يعني أن إيران مستعدة لتحويل كل نقطة على الخريطة اللبنانية إلى سبب لحرب مباشرة مع إسرائيل.
فإسرائيل لم تكن بحاجة إلى انتظار رد إيراني لكي تعرف حدود اللعبة. يكفي أنها مضت في العملية، وبعد أسابيع أعلنت السيطرة على الموقع، فيما بقي الرد الإيراني خارج الميدان. وهذا ما يجعل علي طاهر، في الأيام الأخيرة، عنواناً إسرائيلياً للإنجاز، وعنواناً لبنانياً للإرباك، وعنواناً إيرانياً للصمت.
أما «حزب الله»، فوجد نفسه أمام مأزق أكثر تعقيداً. فالموقع الذي قيل إن تسليمه للجيش اللبناني قد يمنع إسرائيل من استخدامه ذريعة للتقدم، انتهى عملياً في يد إسرائيل. والذريعة التي كان يمكن للحزب أن يستخدمها ضد الدولة اللبنانية لم تعد مقنعة: الخشية من أن تسلّم الدولة الموقع إلى إسرائيل لم تمنع إسرائيل من الوصول إليه، فيما لم تستطع إيران، التي ارتبط اسمها بالموقع، أن تحول دون ذلك.
وهنا المفارقة التي ينبغي أن تُقرأ جيداً في لبنان:
علي طاهر لم يسقط فقط كمرتفع جغرافي. سقط معه شيء من أسطورة أن كل موقع يرتبط بإيران يصبح تلقائياً موقعاً محمياً إيرانياً.
لقد بقيت إيران حاضرة في الخطاب، لكنها غابت عن لحظة الاختبار.
«الطهر» في كل هذه الحكاية، بقي في الاسم وحده.