ليس أخطر ما قاله نائب رئيس الحكومة طارق متري عن المادة 13 من اتفاق الإطار هو مضمون المادة، ولا حتى الخلاف في تفسيرها. الأخطر هو الرواية التي قدّمها متري عن الطريقة التي وصلت بها السلطة اللبنانية إلى هذه المادة، والموقع الذي وضع نفسه فيه داخل هذه الرواية.
ففي جلسة حوارية نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، تحدث متري عن ظروف إدراج المادة 13، وروى أن رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، أبلغه بأن «الوفد الإسرائيلي هدّد الوفد اللبناني بمقاضاة الدولة اللبنانية أمام محاكم في الولايات المتحدة الأميركية، بحجّة أن السلطة اللبنانية تأوي منظمة إرهابية، (حزب الله) ما استدعى أخذ قرار التنازل عن مقاضاة إسرائيل».
هذه هي رواية متري.
وهي، سياسيًا، رواية شديدة الدلالة.
فهي لا تقول فقط إن إسرائيل مارست ضغطًا على لبنان، بل تروي كيف تعامل المفاوض اللبناني مع هذا الضغط، وتضع أمام اللبنانيين رواية مفادها أن التهديد الإسرائيلي بالمقاضاة في الولايات المتحدة كان أحد الأسباب التي قادت إلى القرار المتعلق بالمادة 13.
وهنا تحديدًا يظهر التناقض مع رواية رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي تحدث عن تعليق حق لبنان في المقاضاة خلال مرحلة التفاوض، وليس عن التنازل عنه.
لكن المسألة التي تعنينا هنا ليست حسم الخلاف القانوني بين الروايتين.
المسألة هي: أين يقف طارق متري من القرار؟
وهنا تصبح روايته أكثر دلالة.
فمتري لا يقدم نفسه باعتباره جزءًا من الجهة التي قررت هذه السياسة، بل باعتباره من اكتشف ظروف القرار، ومن كان يعمل في اتجاه مختلف داخل الحكومة.
يقول إن الأجواء داخل الحكومة «لم تكن في أي وقت مؤاتية لطرح ملف التوثيق الذي يعمل عليه داخل الحكومة، أو لانتزاع تعهد رسمي بمقاضاة إسرائيل».
ثم يروي أن وفودًا أجنبية ومحلية كانت تلتقي بعض الوزراء للبحث في قتل إسرائيل صحافيين لبنانيين، وكانت تسمع منهم عبارة من نوع: «إسرائيل ليست من اختصاصنا، وعليكم بالتوجه إليّ (متري) لمتابعة هذا الملف».
هنا يقدم متري نفسه بوضوح في موقع مختلف عن هؤلاء الوزراء.
هم لا يريدون هذا الملف، أما هو فيعمل عليه.
بل يقول إنه «اختار الاستمرار في الحكومة، والعمل بالحد الأدنى على توثيق مادة عن جرائم العدو».
وتكتمل الصورة عندما يروي حادثة توجهه إلى جنيف لعرض ملف الانتهاكات أمام مجلس حقوق الإنسان. فقد أقلعت طائرته بعد ساعات من توقيع اتفاق الإطار، ولم يكن، بحسب روايته، يعرف ما إذا كان توقيع الاتفاق يمنعه من القيام بالمهمة التي كان متوجهًا للقيام بها. فاختار المضي في طريقه ما دام لم يطلب منه أحد العودة إلى بيروت.
وهنا تحديدًا تظهر المفارقة.
نائب رئيس الحكومة يقول، في روايته، إنه لم يكن يعرف ما إذا كان اتفاق وقّعته دولته قبل ساعات يمنعه من ممارسة مهمة رسمية كان متوجهًا للقيام بها.
فإذا كان الأمر كذلك، فأين كانت السلطة؟
ومن كان يعرف ماذا التزمت الدولة؟
ومن كان يملك القرار؟
ومن كان يتحمل مسؤوليته؟
كل طرف يريد أن يخرج بريئًا
هذه ليست مشكلة المادة 13 وحدها.
إنها مشكلة سلطة.
سلطة تتخذ قراراتها، ثم عندما تصبح هذه القرارات موضع مساءلة، يبدأ البحث عن صاحب القرار.
المفاوض فاوض.
الإسرائيلي هدّد.
وزراء قالوا إن إسرائيل ليست من اختصاصهم.
الحكومة لم تكن مستعدة.
ومتري “الوطني” كان يقاوم ويعمل على التوثيق.
لكن إذا كان الجميع يشرح ما فعله الآخرون، فمن كان يتخذ القرار باسم الدولة؟
هنا يصبح كلام متري سياسيًا أكثر منه قانونيًا.
فهو، من حيث أراد أن يشرح للناس لماذا حصل ما حصل، يضع نفسه عمليًا في موقع من يروي ما فعله الآخرون.
المفاوض هو الذي واجه التهديد.
المفاوض هو الذي قبل الصيغة.
آخرون داخل الحكومة لم يريدوا فتح ملف إسرائيل.
أما هو، فاختار البقاء والعمل على التوثيق.
وبذلك، يخرج متري من الرواية في موقع مختلف: ليس صاحب القرار، ولا شريكًا في المسؤولية عن المسار الذي أفضى إليه، بل شاهد عليه ومحاولًا، بحسب روايته، الحد من نتائجه.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة.
فهو نائب رئيس الحكومة، وليس مراقبًا من خارجها.
وإذا كان جزء من السلطة لم يكن يريد فتح ملف الانتهاكات، وجزء آخر يفاوض تحت الضغط، ورئيس الجمهورية يقدم تفسيرًا مختلفًا لما تم الاتفاق عليه، فإننا لا نكون أمام مجرد اختلاف في وجهات النظر.
نكون أمام سلطة تتحدث بأكثر من لسان عن قراراتها.
الأمر يصبح أكثر خطورة إذا وضعناه في سياقه السياسي الداخلي.
فالسلطة اللبنانية اليوم لا تواجه فقط ملفات شديدة الحساسية مع إسرائيل والمجتمع الدولي، بل تواجه أيضًا حزب الله، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في العلاقة بين الحزب والدولة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح للنأي بالنفس قيمة سياسية كبيرة.
كل طرف يريد أن يقول:
أنا اعترضت.
أنا لم أقرر.
أنا لم أكن صاحب الصيغة.
أنا حاولت.
أنا لم أشارك.
والآخر هو الذي فعل.
أي أن كل طرف يريد أن يحتفظ بموقعه داخل السلطة، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يحتفظ بمسافة أمان من نتائج قراراتها.
وهنا تتحول المزايدة إلى آلية دفاع.
ليس الهدف فقط تسجيل نقطة على الطرف الآخر، بل تسجيل براءة سياسية مسبقة إذا تبدلت موازين القوى.
والرسالة المضمرة إلى حزب الله تصبح واضحة:
أنا موجود داخل السلطة، لكن لا تحسبني على كل ما تفعله السلطة.
بل أكثر وضوحًا:
«أنا ما دخلني… فلا تعاقبني».
وهذا هو أخطر ما تكشفه رواية متري.