في خطوة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي، وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة، في مكة المكرمة، «ات فاقية مكة للدفاع المشترك»، معلنة ولادة إطار أمني ثلاثي يجمع ثلاثاً من أكثر الدول الإسلامية تأثيراً، في لحظة يشهد فيها الشرق الأوسط أخطر تحولاته الأمنية منذ عقود.
وجاء توقيع الاتفاقية وسط تصاعد الحرب الإقليمية التي اندلعت عقب الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير، وما تبعه من هجمات إيرانية استهدفت قواعد أميركية ومنشآت مدنية في السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عُمان والأردن وإسرائيل، بالتزامن مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره قبل الحرب نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.
وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية في ظل انخراط السعودية وتركيا وباكستان في التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي أعلنت الرياض تشكيله أخيراً، إلى جانب قطر والبحرين والكويت ومصر والأردن، والذي عيّنت السعودية عبد الله بن سالم الشهري قائداً له.
ويتركز دور هذا التحالف، وفق المعطيات المعلنة، على مواجهة أي محاولة من جانب الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية. وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في المواجهات بين السعودية والحوثيين على الأراضي اليمنية، مع استمرار الهجمات الحوثية على تجمعات القوات السعودية والقوات المدعومة منها في عدد من المحافظات اليمنية.
أما اتفاقية مكة، فتضع مبدأ أكثر وضوحاً في صلب التعاون بين الدول الثلاث، إذ تنص على أن أي اعتداء مسلح على واحدة منها يُعد اعتداءً عليها جميعاً، في إطار يستهدف تعزيز الردع الجماعي ورفع مستوى التنسيق العسكري والأمني.
ولم تكشف الدول الموقعة تفاصيل الالتزامات العسكرية التي تترتب على الاتفاقية، لكنها أكدت أنها ذات طابع دفاعي ولا تستهدف دولة بعينها، وأنها مفتوحة أمام انضمام دول أخرى، من دون أن تلغي الاتفاقيات الدفاعية القائمة لكل دولة مع أطراف أخرى.
وتبرز أهمية الاتفاقية أيضاً من خلال الثقل الاستراتيجي للدول الثلاث. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، والسعودية تمثل القوة الاقتصادية والنفطية الأبرز في الخليج وتحتضن الحرمين الشريفين، فيما تُعد باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ترسانة نووية.
وسبق توقيع الاتفاقية لقاء جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بحضور قائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير، في مؤشر إلى المستوى السياسي والعسكري الذي اتخذته الشراكة الجديدة.
ولا تبدو الاتفاقية مجرد استجابة ظرفية للحرب الحالية، إذ تأتي تتويجاً لنحو عام من المفاوضات، وتستند إلى سنوات من التعاون العسكري والاستخباراتي والدفاعي بين الدول الثلاث، ولا سيما بين تركيا وباكستان، وكذلك بين أنقرة والرياض.
وتحمل هذه الخطوة، في توقيتها ومضمونها، رسالة تتجاوز حدود الدول الثلاث. فهي تعكس محاولة لبناء قدرة إقليمية مستقلة على الردع في مواجهة اتساع رقعة الصراع، كما تشير إلى رغبة متزايدة لدى بعض القوى الإقليمية في تنويع خياراتها الأمنية وعدم الاعتماد على مظلة واحدة.
وقد عززت الحرب الحالية هذه المخاوف بعدما طالت تداعياتها أمن الخليج وصادرات الطاقة وحركة الملاحة، وهددت مشاريع التنمية والاستثمار، وفي مقدمها «رؤية السعودية 2030». كما تخشى تركيا وباكستان من أن يؤدي تمدد الحرب إلى تهديد أمنهما ومصالحهما الاقتصادية، بما يجعل التعاون الدفاعي بينهما وبين السعودية أكثر إلحاحاً.
وبذلك، لا تبدو «اتفاقية مكة» مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل خطوة باتجاه إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي. فالسعودية تحصل على عمق عسكري واستراتيجي إضافي، وتركيا توسّع حضورها الأمني في الخليج، فيما تضيف باكستان إلى المعادلة قوة عسكرية ونووية لا يمكن تجاهلها.
والأهم أن الاتفاق يأتي في لحظة تتعرض فيها المعادلات ال أمنية التقليدية في الشرق الأوسط لاختبار غير مسبوق، ما يجعل «تحالف مكة» مرشحاً لأن يكون نواة لترتيبات أمنية أوسع، خصوصاً إذا انضمت إليه دول أخرى في المرحلة المقبلة.
