"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

لبنان على فوهة ثورة

لارا صقر
الاثنين، 21 سبتمبر 2026

لبنان على فوهة ثورة

في بلدٍ اعتاد أهله أن يقتاتوا الصبر يوماً بعد يوم، عاد الحديث اليوم عن شبح الانفجار الاجتماعي يطرق الأبواب من جديد. لبنان، الذي مرّ بأقسى أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث، يقف اليوم على حافة غضبٍ شعبي متجدد، تغذّيه معيشة خانقة لا تُبقي ولا تذر.

موظف مخنوق ومعاش لا يكفي

الموظف اللبناني، سواء في القطاع العام أو الخاص، بات يُقاس راتبه بالعملة الصعبة ليكتشف أنه لا يكفي لتغطية أبسط احتياجاته. الرواتب التي لم تُعدَّل بما يتناسب مع الانهيار الحاد لليرة، تحوّلت إلى مبالغ رمزية لا تصمد أمام غلاء لا يرحم. أما المتقاعدون، فحالهم أشد قسوة؛ معاشات تقاعدية تآكلت قيمتها الشرائية بالكامل تقريباً، تاركة جيلاً كاملاً من كبار السن بلا أي شبكة أمان حقيقية بعد عقودٍ من العمل والعطاء.

حساب الليرة… وحرمان المائدة

لم يعد المواطن اللبناني يشتري، بل بات “يحسب” قبل كل قرار شراء. حتى لقمة العيش، التي كانت يوماً من المسلّمات، أصبحت اليوم موضع مفاضلة وتقنين. عائلات كثيرة اضطرت لتقليص وجباتها، والاستغناء عن أصناف غذائية كانت أساسية في مائدتها، في مشهد يعكس حجم التراجع في مستوى المعيشة الذي وصل إليه بلدٌ كان يوماً يُعرف برغد العيش في محيطه.

اشتعال أسعار المحروقات والغاز

سعر صفيحة البنزين تخطّى اليوم عتبة الـ٣١ دولاراً، وتتجه المؤشرات إلى ارتفاع تصاعدي قد يلامس الـ٤٠ دولاراً في الأشهر المقبلة، في ظل استمرار تقلبات أسعار النفط عالمياً. وكل زيادة في أسعار البنزين والغاز المنزلي تنعكس فوراً على كلفة النقل والتدفئة وحتى الأسعار في الأسواق، لتُغرق المواطن في دوامة غلاء لا تتوقف، بينما يبقى راتبه أو معاشه ثابتاً لا يتحرك.

عيّنة من الواقع: موظف براتب ٦٠٠ دولار

لنأخذ مثالاً حياً من أحد موظفي القطاع العام، يتقاضى راتباً شهرياً قدره ٦٠٠ دولار أميركي، ويقضي ٨ ساعات يومياً في عمله: ● كلفة المواصلات اليومية: ١٥ دولاراً، أي ما يقارب ٣٣٠ دولاراً شهرياً (على أساس نحو ٢٢ يوم عمل) — أكثر من نصف الراتب يذهب فقط ليصل الموظف إلى عمله ويعود منه. ● وجبة أو قهوة خلال الدوام: بكلفة لا تقل عن ١٠٠ دولار شهرياً، وهي كلفة لا يستطيع الموظف تجنبها غالباً بحكم ساعات العمل الطويلة. النتيجة؟ ٦٠٠ دولار (الراتب) − ٣٣٠ دولاراً (مواصلات) − ١٠٠ دولار (طعام وقهوة) = ما يقارب ١٧٠ دولاراً فقط يبقى في جيب الموظف لتغطية كل شيء آخر خلال شهر كامل: إيجار أو قسط منزل، فواتير كهرباء وماء ومولد، طبابة ودواء، تعليم الأولاد، ملابس، واحتياجات الأسرة اليومية. بمعنى أوضح، هذا الموظف يعمل عملياً ليموّل ذهابه وإيابه إلى عمله، وما يتبقى له بالكاد يكفي لأسبوع واحد من احتياجات عائلته الأساسية، إن لم يكن أقل.

معادلة مستحيلة

هذه المعادلة، التي تتكرر بأشكال مختلفة لدى عشرات آلاف الموظفين في القطاعين العام والخاص، تطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يُطلب من مواطن أن “ينتج” ويكون فعّالاً في وظيفته، بينما هو أصلاً غارق في حسابات البقاء اليومي؟ وكيف يمكن الحديث عن استقرار اجتماعي، في ظل معادلة تجعل من الذهاب إلى العمل عبئاً مالياً يوازي نصف الدخل أو أكثر؟ مع كل ارتفاع جديد في سعر البنزين، تتقلص هذه المعادلة أكثر فأكثر، ويقترب الموظف من نقطة اللاعودة: حيث لم يعد الذهاب إلى العمل خياراً اقتصادياً منطقياً، بل عبئاً يُضاف إلى أعباء لا تُحصى.

المدارس تفتح أبوابها… والجيوب فارغة

ومع بداية العام الدراسي، يجد الأهل أنفسهم أمام استحقاق جديد يفوق طاقتهم: أقساط مدرسية، وقرطاسية، وزي موحّد، ووسائل نقل، كلها بأسعار لا تتناسب إطلاقاً مع مداخيلهم المتآكلة. كثير من العائلات باتت تتساءل كيف ستؤمّن تعليم أبنائها في ظل غياب أي دعم حقيقي أو حلول جذرية من الدولة.

أرقام منظمة العمل الدولية تؤكد حجم الكارثة

وتأتي الأرقام الميدانية لتؤكد ما يعيشه المواطن يومياً على أرض الواقع. فبحسب أحدث مسح أجرته منظمة العمل الدولية (ILO) في مايو/أيار ٢٠٢٦، وشمل ٢,٤٨٥ عاملاً في القطاع الخاص، تبيّن أن نحو ثلث العاملين الذين شملهم المسح لم يعودوا يعملون وقت إجراء الدراسة: ● 28.2% منهم أصبحوا عاطلين عن العمل. ● 4.7% خرجوا كلياً من سوق العمل. أما بالنسبة لمن حافظوا على وظائفهم، فالوضع ليس أفضل حالاً؛ إذ تراجع متوسط دخل العمل بنسبة 14.8%. لكن الأخطر أن الانخفاض في متوسط الدخل يقفز إلى 40.4% عند احتساب الأثر المزدوج لفقدان الوظائف وتراجع الأجور معاً — أي أن الاقتصاد اللبناني، في غضون فترة قصيرة، فقد ما يقارب نصف قيمة الدخل الذي كان يدخل جيوب العاملين فيه. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة، بل هي ترجمة رقمية لواقع الموظف الذي تحدثنا عنه، والمواطن الذي بات يحسب الليرة، والعائلة التي تقنّن في طعامها. فحين يفقد ثلث العاملين وظائفهم، وحين ينخفض دخل الباقين إلى النصف تقريباً، لا يعود الحديث عن “أزمة معيشية” كافياً لوصف المشهد، بل نحن أمام انهيار شامل لسوق العمل يهدد النسيج الاجتماعي بأكمله.

والأخطر أن هذا التراجع لا يقتصر على حالات فردية، بل يطال شريحة واسعة من المجتمع؛ إذ إن نسبة كبيرة من العاملين في القطاعين العام والخاص باتوا يتقاضون رواتب دون الـ٥٠٠ دولار شهرياً، ما يجعل غالبية القوى العاملة في لبنان تعيش تحت وطأة هذه المعادلة القاسية بين الدخل الضئيل وكلفة المعيشة المرتفعة.

لبنان نحو انفجار اجتماعي؟

كل هذه العوامل مجتمعة - الرواتب المجمّدة، المعاشات المتآكلة، غلاء المحروقات، وأعباء العودة المدرسية، وتراجع سوق العمل - تُنذر بتراكم غضبٍ شعبي صامت، قد لا يلبث أن يجد له متنفساً في الشارع إن لم تُبادر السلطات إلى معالجات جدية وسريعة. فالشعب الذي صبر سنوات طويلة، لم يعد يملك من الصبر ما يكفي، والفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش تتّسع يوماً بعد يوم. لبنان اليوم ليس بحاجة إلى وعود جديدة، بل إلى خطة إنقاذ حقيقية تُعيد الاعتبار لكرامة المواطن، قبل أن يتحوّل الغضب الصامت إلى فوهة ثورة لا يعرف أحد إلى أين ستقود البلاد.

المقال السابق
تغسل الصحون فورًا بعد الأكل؟... هذه العادة قد تكشف جوانب من شخصيتك

لارا صقر

محرّرة

مقالات ذات صلة

«بدنا ناكل.. جوعانين»

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية