تواجه المنظومة الصحية في إيران ضغوطاً متزايدة نتيجة تشديد العقوبات الأميركية، وارتفاع التضخم، وتراجع قيمة العملة، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالاقتصاد وقطاع الصناعات الدوائية جراء الحرب، بحسب تقرير لشبكة CNN.
ووفق التقرير، تعاني الصيدليات من نقص متزايد في الأدوية، فيما بات بعض مرضى السرطان يواجهون صعوبة في الحصول على علاجاتهم، خصوصاً المرضى في المراحل المتقدمة أو الحرجة. وأفادت صيدليات تحدثت إليها CNN بأن مخزون بعض الأدوية أصبح محدوداً، ما يدفعها إلى إعطاء الأولوية للمرضى في المراحل المبكرة.
كما أُلغيت، وفق التقرير، حملة لقاحات الإنفلونزا الموسمية هذا العام بعد عدم تمكن الحكومة الإيرانية من تأمين اللقاحات من أوروبا، فيما اضطر بعض مرضى السرطان إلى بيع مقتنيات وأجهزة منزلية لتغطية الارتفاع الحاد في أسعار الأدوية.
وقالت مريضة سرطان تبلغ 55 عاماً، طلبت عدم الكشف عن هويتها، إنها تعتمد على معارف لها قادمين من الخارج لإحضار أدوية غير متوفرة في إيران، ووصفت معاناتها مع المرض في ظل حالة عدم الاستقرار التي خلفتها الحرب.
نقص في مئات الأدوية
وتؤكد صيدليات استطلعت CNN أوضاعها وجود نقص في عدد من الفئات الدوائية. فبعض أدوية القلب لم تعد متوفرة إلا بنسخ محلية، بينما أصبحت أدوية خفض الكوليسترول متاحة بأسعار مرتفعة، في حين اختفت بعض أدوية الصداع النصفي من الأسواق.
كما تحدثت تقارير إعلامية إيرانية عن نقص في مضادات الاكتئاب والإنسولين وبعض أدوية الحمل.
وقال رئيس نقابة الصيادلة الإيرانية شهرام كلانتري إن النقص يطال نحو 800 دواء، مشيراً إلى أن الصيدليات تواجه صعوبة في تأمين البدائل بسبب ارتفاع تكلفتها.
ولا تقتصر الأزمة على نقص الأدوية، إذ تتراكم أيضاً مستحقات الصيدليات لدى شركات التأمين. وبحسب مصادر في نقابة الصيادلة، تنتظر أكثر من 18 ألف صيدلية خاصة في أنحاء إيران تسديد مستحقاتها، التي تقدر بنحو 800 تريليون ريال، أي قرابة 300 مليون دولار وفق الأرقام الواردة في التقرير.
إيران تنتج معظم أدويتها.. لكنها لا تملك كل حلقات الإنتاج
ورغم إعلان مسؤولين إيرانيين أن البلاد تنتج أكثر من 97% من الأدوية من حيث الحجم، فإن ذلك لا يعني الاكتفاء الذاتي الكامل.
وبحسب باحثين تحدثوا إلى CNN، لا تزال صناعة الأدوية الإيرانية تعتمد على ا ستيراد بعض المواد الأولية والمعدات والتقنيات، إضافة إلى استيراد أدوية متخصصة مرتفعة الثمن بشكل مباشر. وتزداد صعوبة تأمين هذه المنتجات مع تشديد القيود على التعاملات المالية الإيرانية وتراجع عائدات النفط، المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في البلاد.
أضرار طالت مصانع ومرافق دوائية
ويضيف التقرير أن الحرب ألحقت أضراراً مباشرة بالبنية التحتية للقطاع الدوائي. وقال المتحدث باسم إدارة الغذاء والدواء الإيرانية محمد هاشمي إن الغارات الأميركية والإسرائيلية استهدفت في وقت سابق من العام أكثر من 40 شركة ومورداً وموزعاً للأدوية والمعدات الطبية.
وفي أواخر آذار، تعرض مصنع توفيق دارو لضربة إسرائيلية، وكان ينتج مكونات فعالة تدخل في صناعة أدوية السرطان وبعض المواد المخدرة. وقال الجيش الإسرائيلي إن المصنع كان مرتبطاً بتزويد جهة إيرانية بمادة الفنتانيل، وهو ما نفته الشركة.
كما تعرض معهد باستور في إيران لأضرار، فيما قالت مجلة The Lancet إن الهجوم أدى إلى تدمير مختبرات مرتبطة بمراقبة أمراض ومسببات مرضية، بينها المراقبة الجينومية وداء الكلب وفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي.
العقوبات تزيد كلفة الاستيراد
وتسمح الولايات المتحدة رسمياً بتجارة الأغذية والأدوية والمعدات الطبية مع إيران، لكنها تفرض آليات رقابة وضمانات لمنع تحويل هذه السلع إلى جهات خاضعة للعقوبات.
ويشير التقرير إلى أن العقوبات المفروضة منذ سنوات على النظام المالي الإيراني جعلت الشركات الأجنبية تواجه متطلبات إضافية للإبلاغ عن شحنات الأدوية، بما في ذلك تحديد المشترين والتعهدات المتعلقة باستخدامها.
وفي ظل تشديد إدارة ترامب سياسة العقوبات والرقابة المالية، يحذر خبراء من ظاهرة «الامتثال المفرط»، حيث تتجنب المصارف والشركات أحياناً حتى المعاملات المسموح بها قانوناً خشية التعرض للعقوبات.
وتأتي هذه الأزمة فيما تعثرت، بحسب التقرير، المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في قطر لأغراض إنسانية، بينما تركز طهران في الوقت نفسه على ملف مضيق هرمز.
والنتيجة، وفق الصورة التي يرسمها التقرير، هي أن العقوبات والحرب والتضخم ومشكلات التمويل تتقاطع لتضع قطاع الدواء الإيراني أمام أزمة تتجاوز مسألة نقص بعض العقاقير إلى تهديد قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
