لم يكن تبادل الرسائل بين حزب الله والمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي مجرد مناسبة تنظيمية داخل محور إيران. فقد بعث الحزب رسالة أعلن فيها تجديد “العهد والولاء” لخامنئي، مخاطبًا إياه بصفة “القائد والمرشد”، فيما جاء الرد المنسوب إليه مؤكدًا أن حزب الله سيبقى ركيزة في مشروع “المقاومة”، وداعيًا إلى مواصلة “الجهاد” في مواجهة إسرائيل.
في الظروف العادية، قد لا يتجاوز هذا التبادل كونه محطة داخلية بين القيادة الإيرانية وحليفها اللبناني. لكن توقيته هذه المرة يمنحه دلالة سياسية تتجاوز حدود التهنئة البروتوكولية.
فالرسالتان جاءتا بعد أيام قليلة من لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، وفي وقت عاد فيه الحديث عن فرصة لإطلاق مسار سياسي جديد يعيد تثبيت سلطة الدولة اللبنانية، عبر تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي بدأ يشق طريقه ببطء، رغم رفض إيران له واعتراض حزب الله عليه.
وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس عون عقب اللقاء، طرح مقاربة لمعالجة قضية سلاح حزب الله تستلهم تجربتي الجيش الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا الشمالية، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، باعتبارهما نموذجين لانتقال تنظيمين مسلحين من العمل العسكري إلى العمل السياسي، ومن السلاح إلى الدولة. وفي جوهر هذا الطرح كان رهان على إمكان إنتاج حل لبناني يقود تدريجيًا إلى احتكار الدولة قرار الحرب والسلم. غير أن الرسالتين المتبادلتين بين حزب الله والقيادة الإيرانية بدتا وكأنهما تحملان رسالة مختلفة تمامًا.
ففي رسالته، لم يكتفِ الحزب بتهنئة مجتبى خامنئي، بل وصفه بـ”القائد والمرشد”، واعتبر انتخابه “امتدادًا للمسيرة المباركة” للإمام الخميني وعلي خامنئي، قبل أن يعلن صراحة: “نجدد لكم العهد والولاء، وسنمضي معكم بثبات على هذا الطريق المبارك”.
وفي المقابل، جاء الرد المنسوب إلى خامنئي ليؤكد أن حزب الله جزء من مشروع “المقاومة”، وأن دعمه يمثل جزءًا من الاستراتيجية الإيرانية.
قد يبقى الجدل قائمًا حول شخصية مجتبى خامنئي نفسها، أو حول طبيعة ظهوره العلني، لكن مضمون الرسالتين لا يترك مجالًا كبيرًا للاجتهاد. فالحديث عن “القائد والمرشد” و”العهد والولاء” لا يصف علاقة تحالف سياسي بين طرفين متساويين، بل علاقة مرجعية وقيادة يعلنها الحزب بنفسه، ويؤكدها الطرف الإيراني.
لا تكشف هذه البيعة تحولًا في هوية حزب الله، لأن الحزب لم يُخفِ يومًا التزامه بمبدأ ولاية الفقيه، ولم يدّعِ أن مرجعيته الاستراتيجية لبنانية خالصة. الجديد ليس في الحزب، بل في الدلالة السياسية التي اكتسبتها هذه الرسائل في هذا التوقيت. فالمشكلة لم تعد في إمكان إطلاق حوار داخلي أو التوصل إلى تسوية لبنانية، بل في طبيعة المرجعية التي يعود إليها القرار الاستراتيجي للحزب. فإذا كان الحزب يعلن أن “القائد والمرشد” هو المرجعية العليا، ويجدد له “العهد والولاء”، فيما تؤكد القيادة الإيرانية أن الحزب جزء من استراتيجيتها الإقليمية، فإن أي نقاش لبناني حول السلاح أو قرار الحرب والسلم يصطدم، حكماً، بسؤال يسبق كل النقاشات: أين يُتخذ القرار النهائي؟
ومن هنا، فإن الرسالتين لا توجهان رسالة إلى خصوم حزب الله فحسب، بل أيضًا إلى كل من راهن على إمكان الوصول إلى تفاهم لبناني داخلي يعيد القرار الاستراتيجي إلى مؤسسات الدولة. وتزداد أهمية هذا المشهد عندما يُقرأ في سياقه السياسي. فالبيعة والرد الإيراني جاءا بينما تحاول الدولة اللبنانية، بدعم أميركي ودولي، إطلاق مسار جديد لترسيخ سيادتها وتنفيذ الاتفاق الإطاري. وفي المقابل، ترفض إيران هذا المسار، بينما يعارضه حزب الله. لذلك، يصعب فصل توقيت الرسالتين عن هذا الواقع، أو تجاهل أنهما تبدوان بمثابة تأكيد على أن المرجعية النهائية لا تزال خارج الحدود اللبنانية.
وثمة مفارقة أخرى لا تقل أهمية. فالرسائل المتبادلة تتحدث عن “الجهاد” و”المقاومة” و”الثبات”، لكنها لا تتوقف عند الكلفة التي دفعها لبنان نتيجة هذا النموذج. فلا حديث عن الانهيار الاقتصادي، أو العزلة العربية والدولية، أو الحروب التي استنزفت البلاد، أو تراجع سلطة الدولة، أو الأثمان التي تحملها اللبنانيون نتيجة ارتباط قرار جزء أساسي من القوة العسكرية والسياسية بقيادة خارج حدودهم.
لهذا، فإن الحدث لا يكشف تحولًا جديدًا في هوية حزب الله، بقدر ما يعيد طرح سؤال السيادة اللبنانية بصورة أكثر حدة. فالرسائل تقول، بوضوح غير معهود، إن القيادة واحدة، والمرجعية واحدة، والولاء معلن.
ويبقى السؤال الذي تفرضه على اللبنانيين: إذا كان القرار الاستراتيجي يُعرَّف بهذه الصراحة على أنه مرتبط بمرجعية خارج لبنان، فأين تنتهي حدود الحوار الداخلي، وأين يبدأ القرار الذي لا يُصنع في بيروت؟