في الأول من آب، لا يحتفل لبنان بعيد جيشه فحسب، بل يحتفل أيضاً بمفارقة تكاد تكون فريدة في العالم: دولة تمتلك جيشاً يحظى باحترام شعبه وثقة المجتمع الدولي، لكنها لم تمنحه يوماً الحق الكامل في أن يكون جيش الدولة.
هذه ليست مشكلة المؤسسة العسكرية، بل مأساة الجمهورية نفسها.
فالجيش اللبناني لم يفشل في أداء واجباته، بل مُنع، على مدى عقود، من ممارسة وظيفته الطبيعية. لم يُترك ليحتكر القوة باسم الدولة، ولم يُمنح حق الإمساك الكامل بقرار الدفاع عن الوطن. بقي، بإرادة السلطة السياسية، جيشاً ناقص الصلاحيات، فيما توزعت القوة العسكرية بين الدولة وخصومها، وبين الشرعية و”الشرعيات” التي وُلدت تباعاً تحت عناوين مختلفة.
لمتابعة معمقة لهذه الافتتاحية، تابعوا هذا النقاش المصور وفيه حقائق صادمة
هنا تكمن المأساة الحقيقية. فالجيش لم يكن يوماً أضعف من خصومه، بل كان أضعف من الإرادة السياسية التي رفضت أن تجعله الجيش الوحيد في الجمهورية.
لم تبدأ هذه الأزمة مع حزب الله، وإن بلغت معه ذروتها. فمنذ اتفاق القاهرة عام 1969، تنازلت الدولة لأول مرة عن جزء من احتكارها للقوة. ثم جاءت الحرب الأهلية لتحوّل لبنان إلى ساحة جيوش وميليشيات. وبعدها كرّست الوصاية السورية واقعاً جعل المؤسسة العسكرية تتحرك ضمن هوامش القرار السياسي. ومع نشوء “المقاومة الإسلامية” وتحوّل سلاحها إلى جزء من المعادلة الداخلية، استقر لبنان على معادلة لم تعرفها أي دولة مستقرة: جيش رسمي يحمي الدولة، وسلاح آخر يحتكر قرار الحرب عندم ا يشاء.
وفي كل محطة، كانت السلطة تتراجع خطوة إلى الخلف، فيما كان الجيش يُطلب منه التكيف مع الأمر الواقع، لا تغييره. وهكذا، لم يُسمح له بأن يصبح المرجعية العسكرية الوحيدة للجمهورية، بل تحول إلى مؤسسة تدير نتائج ازدواجية السلاح، بدلاً من إنهائها.
لهذا، لم يكن أخطر ما واجهه الجيش نقص العتاد أو ضيق الإمكانات، بل المشاريع التي قامت على فكرة وجود مقاومات محلية أو مرتبطة بمحاور خارجية، تتقاسم مع الدولة حق امتلاك السلاح واستخدامه. وما كان لهذه المشاريع أن تستمر لولا سلطة سياسية خضعت لها، أو ساومت عليها، أو منحتها الغطاء، حتى بات الاستثناء هو القاعدة، وأصبح احتكار الدولة للقوة مجرد نص دستوري بلا ترجمة عملية.
المفارقة أن الجميع يتغنى بالجيش. الجميع يحيي شهداءه، ويصفق لتضحياته، ويؤكد أنه المؤسسة الوطنية الجامعة. لكن عندما يحين وقت تحويل هذا الإجماع إلى قرار سياسي، تبدأ الحسابات. كل طرف يريد الجيش على قياس مصالحه. يريده ضابطاً للاستقرار الداخلي، لكن ليس مرجعية وحيدة للسلاح. يريده قوياً بما يكفي لحماية النظام، لا بما يكفي لفرض سيادة الدولة على الجميع.
وهكذا، وجد الجيش نفسه ينافس الأجهزة الأمنية الأخرى في مهمات الأمن الداخلي، فيما بقيت المهمة التي وُجد من أجلها كل جيوش العالم، أي احتكار الدفاع عن السيادة وقرار استخدام القوة، موزعة بين أكثر من مرجعية.
اليوم، يقف لبنان أمام لحظة مختلفة. المنطقة تتغير بسرعة. المشروع الإيراني يتعرض لأقسى اختباراته. الولايات المتحدة تدفع نحو إعادة تشكيل منظومة الأمن في المشرق. والحروب تدخل مرحلة جديدة عنوانها إنهاء الجيوش الموازية وإعادة الاعتبار للدولة. وفي قلب هذه التحولات، جاء خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في عيد الجيش ليعلن بوضوح أن “لا شرعية لأي سلاح خارج شرعية الدولة”.
إنها العبارة الأكثر أهمية في خطاب رئاسي منذ سنوات، لكنها ستبقى مجرد جملة إذا لم تتحول إلى مشروع سياسي متكامل، يمتلك الشجاعة لمواجهة الإرث الذي أوصل لبنان إلى دولة بسلاحين، وقرارين، واستراتيجيتين للدفاع.
فالجيش لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الأوسمة، ولا إلى خطب جديدة في عيده. يحتاج إلى قرار تاريخي يعيده إلى موقعه الذي حدده الدستور منذ ولادة الجمهورية: القوة المسلحة الوحيدة للدولة اللبنانية.
عندها فقط، يصبح الأول من آب عيداً لجيشٍ لم يعد محروماً من أن يكون جيشاً، بل عيداً لجمهورية استعادت أخيراً أحد أهم مقومات وجودها: دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار سيادي واحد.