"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

سيناريو واحد… وحرب باردة بمآسٍ ساخنة

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأحد، 2 أغسطس 2026

ليس جديداً ما جرى خلال الساعات الماضية. الجديد الوحيد أن السيناريو بات يتكرر بالوتيرة نفسها حتى أصبح قابلاً للتوقع.

يرفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف تهديداته إلى الحد الأقصى. تتحدث واشنطن عن ضربة واسعة، وتدخل إسرائيل أعلى درجات التأهب، وتبدأ الأسواق بتسعير احتمال اندلاع حرب إقليمية. يقفز سعر النفط، وتتراجع أسواق الأسهم، وتعيش المنطقة ساعات من القلق والترقب.

ثم تبدأ الاتصالات. تتحرك العواصم الإقليمية، وتتدخل الوساطات، وترتفع الدعوات إلى التهدئة وإعطاء الدبلوماسية فرصة أخيرة. فجأة، يتراجع الحديث عن الحرب، ويحل مكانه الحديث عن “إطار اتفاق”، أو “اختراق في المفاوضات”، أو “فرصة للتسوية”.

هذا تماماً ما حدث مرة جديدة مع إيران. فبعد أن أوحت واشنطن بأن ضربة واسعة باتت وشيكة، جاء الإعلان عن تعليق الهجوم بعد اتصالات وضغوط إقليمية، ليتحول الخطاب خلال ساعات من الاستعداد للحرب إلى الحديث عن إعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ولم تعد الأسواق تنظر إلى هذا المسار بوصفه استثناءً، بل باتت تتعامل معه باعتباره نمطاً متكرراً. فمع كل تصعيد ترتفع أسعار النفط خوفاً على إمدادات الطاقة، وما إن تظهر مؤشرات التهدئة حتى تعود الأسعار إلى الانخفاض. والأمر نفسه ينسحب على أسواق المال التي تهتز مع كل تهديد ثم تستعيد جزءاً من خسائرها مع كل حديث عن اتفاق.

لكن هذه الدورة المتكررة لا تعني أن المنطقة تتجه نحو السلام، بل إنها تكشف عن واقع مختلف: لا حرب شاملة ولا استقرار حقيقياً، بل إدارة دائمة للأزمات. فالتصعيد أصبح ورقة تفاوض، والتهديد تحول إلى أداة سياسية، فيما باتت المفاوضات وسيلة لتأجيل المواجهة أكثر من كونها طريقاً لحل جذري.

تستفيد جميع الأطراف من هذه المعادلة. فالولايات المتحدة تواصل سياسة الضغط الأقصى من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وإيران تحاول تجنب مواجهة شاملة من دون التخلي عن أوراق قوتها، بينما تعمل القوى الإقليمية على منع انفجار قد يهدد أمنها واقتصادها.

لكن وسط هذا الاشتباك السياسي والاستراتيجي، يبقى طرف واحد يدفع الثمن الحقيقي: المواطن.

فهو لا ينتظر مؤتمراً صحافياً ولا بياناً عسكرياً، بل يبحث عن استقرار يطمئن إليه، وقدرة شرائية تحمي دخله، وفرصة عمل، ومستقبل أقل قلقاً لأسرته. ومع كل جولة تهديد ترتفع كلفة النقل والطاقة، وتزداد المخاوف في الأسواق، وتتراجع الثقة بالاقتصاد، حتى لو عادت المؤشرات إلى التحسن بعد أيام.

أما السياسيون، فينظر كل منهم إلى الأزمة من زاويته الخاصة. بعضهم يفكر في حسابات الانتخابات المقبلة، وآخرون في موازين القوة والنفوذ، فيما تتحرك جماعات الضغط والشركات الكبرى وفق منطق المصالح والأرباح، مستفيدة أحياناً من تقلبات الأسواق التي تخلقها الأزمات نفسها.

وهكذا، قد تنخفض أسعار النفط بعد إعلان تأجيل ضربة عسكرية، وقد تنتعش البورصات مع الحديث عن اتفاق وشيك، لكن ذلك لا يعني أن السلام قد تحقق، ولا أن أسباب التوتر قد زالت. فالشرق الأوسط لا يعيش حرباً مفتوحة ولا سلاماً مستقراً، بل يقيم في منطقة رمادية بين الاثنين؛ حرب باردة تتبدل فيها أدوات المواجهة، فيما تبقى نتائجها الاقتصادية والنفسية حاضرة في حياة ملايين الناس.

ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن تكرار السيناريو يولّد وهماً بأن النهاية ستكون دائماً واحدة: تصعيد ثم تراجع. غير أن التاريخ يعلمنا أن الأزمات التي تُدار ولا تُحل قد تنتهي، في لحظة خطأ واحدة، إلى الحرب التي اعتقد الجميع أنها لن تقع أبداً.

المقال السابق
هكذا أعلن ترامب تجميد “هجوم كبير” على إيران
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

الجيش الذي حُرم من أن يكون جيشاً

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية