هدد الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، بعد نقله من المستشفى إلى السجن، بالامتناع عن تناول الطعام والشراب والأدوية، في خطوة قال طبيبه المعالج إنها قد تعرض حياته للخطر خلال أيام، وفق رسالة صوتية وجّهها إلى المدعي العام التمييزي وانتشرت على نطاق واسع.
قد يكون هذا القرار تعبيرًا عن اليأس، وقد يكون وسيلة للضغط على القضاء. لكن، في الحالتين، لن يغيّر حقيقة واحدة: اللبنانيون يريدون عدالة لا تفرّق بين كبير وصغير. يريدون أن يخضع أصحاب النفوذ للقانون كما يخضع له المواطن العادي، لا أن يبقى الأقوياء محصنين فيما يدفع الضعفاء وحدهم ثمن الانهيار.
وأنت يا رياض سلامة، تعرف قبل غيرك أن الغضب الشعبي عليك ليس وليد هذه الأ يام. فقد كنت طوال ثلاثة عقود الرجل الأقوى في القطاع المالي اللبناني، لا لأنك كنت تملك المال، بل لأن قانون النقد والتسليف منح حاكم مصرف لبنان صلاحيات استثنائية جعلته المرجعية العليا في السياسة النقدية، وصاحب القرار الأول في إدارة النظام المصرفي، والجهة التي تدور في فلكها المصارف والدولة والأسواق. وفي هذا المجال، لم يكن هناك مسؤول يملك من السلطة ما كنت تملكه.
ولهذا، لا يستطيع أحد أن يقنع اللبنانيين بأنك كنت مجرد موظف ينفذ التعليمات، كما لا يستطيع أحد أن يحملك وحدك مسؤولية الانهيار. الحقيقة، على الأرجح، أكبر من شخص، وأوسع من مؤسسة. لكنها حقيقة يعرفها رجل كان يجلس في قلب غرفة القرار.
لقد تمتعت بالغنم سنوات طويلة، ومن الطبيعي أن تتحمل اليوم شيئًا من الغرم. لكن مسؤوليتك لا تنتهي عند باب السجن، ولا تبدأ بالامتناع عن الدواء، ولا تُختصر بمحاولة إنهاء حياتك.
ما يحتاجه اللبنانيون منك ليس موتك، بل الحقيقة.
قل للبنانيين، عبر القضاء، كيف كانت تُدار الدولة من خلف الكواليس. أخبرهم من كان يفرض الخيارات المالية، ومن كان يبتز، ومن كان يغطي، ومن كان يستفيد. تحدث عن السياسيين الذين حوّلوا مصرف لبنان إلى خزينة لمشاريعهم، وعن المصرفيين الذين راكموا الأرباح فيما كانت الدولة تغرق، وعن كل من استخدم السلطة النقدية لخدمة سلطته السياسية.
قل الحقيقة عن الضغوط التي تعرضت لها، وعن الذين أصروا على بقائك في منصبك لأن استمرارك كان ضمانة لاستمرار مصالحهم. وتحدث أيضًا عن النفوذ الذي مارسته القوى المسلحة على الدولة، وعن التدخلات الخارجية، وعن كل من شارك، بالفعل أو بالصمت، في صناعة الكارثة.
قد يكون ثمن قول الحقيقة باهظًا. وقد يحاول كثيرون إسكاتك، لأن شهادتك قد تكون أخطر عليهم من أي حكم قضائي. وإذا دفعت حياتك ثمنًا لأنك كشفت ما تعرفه، فسيكون التاريخ قد سجّل أنك سقطت وأنت تؤدي آخر واجب تجاه وطنك.
أما إذا اخترت أن تموت صامتًا، فلن تكون ضحية، بل ستكون شاهدًا دفن شهادته معه.
لا يحتاج اللبنانيون إلى انتحارك.
يحتاجون إلى اعترافك.
ويحتاجون إلى الأسماء، والوقائع، والوثائق، لا إلى رسالة وداع.
إن كنت تريد أن تطلب الغفران من اللبنانيين، فلا تطلبه بالموت.
اطلبه بالحقيقة.
فالكلمة التي امتنعت عن قولها ثلاثين عامًا، قد تكون اليوم آخر خدمة تستطيع أن تقدمها لوطنٍ لم يعد يحتمل المزيد من الأسرار.