"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

النساء والألم: ما الذي تقوله أجسادهن ولا يسمعه الطب؟

نيوزاليست
الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

    النساء والألم: ما الذي تقوله أجسادهن ولا يسمعه الطب؟

هناك أشياء لا يمكن قياسها بسهولة. الألم واحد منها.

لا توجد صورة أشعة تظهره كما يظهر كسر في العظم، ولا تحليل دم يحدد درجته، ولا جهاز يستطيع أن يقول للطبيب بدقة كم يؤلم شخصاً ما. في النهاية، يبقى الألم تجربة يعيشها الإنسان ويصفها.

لكن ماذا لو كان جنس الإنسان يؤثر في مقدار الألم الذي يبلّغ عنه؟ وماذا لو كانت المشكلة لا تتوقف عند الشعور بالألم، بل تمتد إلى الطريقة التي يسمعه بها الطبيب ويصدقه ويعالجه؟

دراسة عالمية جديدة تعيد فتح هذا السؤال بقوة.

حلل باحثون بيانات أكثر من 6.1 مليون شخص في 118 دولة، جُمعت من مئات المصادر السكانية على مدى عقود، لرسم واحدة من أوسع الخرائط العالمية للألم عبر مراحل الحياة. وكانت النتيجة لافتة: النساء أبلغن عن انتشار أعلى للألم من الرجال في جميع المواقع الجسدية الـ11 التي شملها التحليل.

ولم يكن الفرق متساوياً في كل أنحاء الجسم.

كان أكبر في ألم الوجه والصداع وآلام المعدة والبطن. كما ظهرت فروق واضحة عندما تعلق الأمر بالألم الشديد والألم المنتشر في مناطق متعددة من الجسم.

لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة.

الدراسة لا تقول إن المرأة «أضعف» أو إن جهازها العصبي يجعلها ببساطة تشعر بالألم أكثر من الرجل.

هي تقيس الألم الذي يبلّغ عنه المشاركون، وبالتالي ترصد انتشار الألم وشدته كما يصفها الناس، ولا تستطيع وحدها أن تفصل بين الأسباب البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تشكل تجربة الألم.

وهذا بالضبط ما يجعل القضية أكثر إثارة.

ليست المشكلة في الألم وحده

إذا كانت النساء يعانين من الألم بصورة أكبر أو أكثر استمراراً، فإن السؤال التالي يصبح: هل يحصلن أيضاً على الرعاية نفسها عندما يقلن إنهن يتألمن؟

هنا تظهر أدلة أخرى.

دراسات في أقسام الطوارئ وجدت فروقاً في التعامل مع الرجال والنساء الذين يصلون بسبب الألم، بما في ذلك احتمال تلقي المسكنات وطريقة تسجيل الألم والوقت الذي يقضيه المريض في قسم الطوارئ.

وفي أبحاث أخرى، ظهرت مؤشرات إلى وجود اختلافات في طريقة تقييم آلام النساء وتشخيصها وعلاجها، بما في ذلك الميل في بعض الحالات إلى تفسير الألم لدى المرأة من زاوية نفسية بدرجة أكبر.

هذا لا يعني أن كل طبيب يتعامل مع ألم المرأة باستخفاف.

ولا يعني أن كل فارق في العلاج سببه التحيز.

لكن الأدلة تكفي لطرح السؤال:

هل تدخل الصور النمطية عن المرأة في الطريقة التي نفهم بها ألمها؟

«عاطفية» عندما تتألم

هذه الفكرة ليست جديدة.

على مدى عقود، درست الأبحاث كيف يمكن للتوقعات الاجتماعية أن تؤثر في تفسير الألم لدى الرجال والنساء. وهناك أدلة على اختلاف المعايير المرتبطة بكيفية التعبير عن الألم والتعامل معه، وعلى وجود تحيزات محتملة في العلاقة بين المريض ومقدم الرعاية وفي قرارات العلاج.

الصورة النمطية بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه:

الرجل يتحمل.

والمرأة «تشتكي».

لكن الطب الحديث بدأ يكتشف أن هذه الصور ليست بريئة عندما تدخل غرفة الفحص.

لأن الطبيب لا يتعامل مع الألم نفسه فقط؛ يتعامل أيضاً مع رواية المريض عن الألم.

وإذا كان هناك افتراض مسبق بأن المرأة أكثر عاطفية أو أكثر ميلاً إلى المبالغة، فقد تتحول هذه الصورة النمطية إلى تأخير في التشخيص أو اختلاف في العلاج.

الجسم الأنثوي ليس مجرد نسخة أصغر من الجسم الذكوري

هناك أيضاً جانب بيولوجي لا يمكن تجاهله.

الاختلافات بين الجنسين في الألم يمكن أن ترتبط بعوامل متعددة، من الهرمونات والجهاز المناعي إلى اختلافات عصبية وبيولوجية أخرى.

لكن هذه الآليات لا تفسر وحدها كل الفروق التي تظهر في الدراسات البشرية.

ولهذا يفضل الباحثون التفريق بين الجنس البيولوجي والنوع الاجتماعي عند دراسة الألم.

فالجسد يؤثر.

لكن المجتمع أيضاً يؤثر في الطريقة التي نعبّر بها عن الألم، والطريقة التي يُستقبل بها هذا التعبير.

الألم لا يتوزع بالتساوي حول العالم

الدراسة العالمية الجديدة تكشف شيئاً آخر يستحق الانتباه: الألم ليس مشكلة تتوزع بالتساوي بين المجتمعات.

في الأعمار المتقدمة، كان انتشار الألم الجسدي العام أعلى بصورة ملحوظة في البلدان ذات مستويات التنمية البشرية المنخفضة مقارنة بالبلدان ذات المستويات المرتفعة.

كما ارتبط عبء الألم بعوامل مثل التدخين والسمنة وانخفاض الدخل.

أي أن سؤال الألم ليس سؤالاً عن الجنس فقط.

إنه أيضاً سؤال عن العمر، والعمل، والدخل، ونمط الحياة، والوزن، وإمكان الوصول إلى الرعاية الصحية.

وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً، وأكثر إنسانية.

امرأة تتألم ليست مجرد «مريضة».

قد تكون امرأة تعمل، وترعى أطفالاً، وتعتني بوالدين، وتعيش تحت ضغط اقتصادي، وتحمل ألماً مزمناً لا يراه أحد.

وحين تقول للطبيب: «أنا أتألم»، فإن السؤال الطبي ليس: هل هي حساسة أكثر؟

بل:

ما الذي يسبب الألم؟ وهل نستمع إليها بالقدر نفسه الذي نستمع فيه إلى الرجل؟

من «هل يؤلمك؟» إلى «لماذا؟»

ربما تكون القيمة الحقيقية للدراسة الجديدة في أنها لا تقدم إجابة نهائية بقدر ما تكشف حجم السؤال.

نحن نعرف الآن، على نطاق عالمي واسع، أن النساء يبلغن عن الألم أكثر من الرجال في مواقع جسدية متعددة، وأن الفروق تظهر أيضاً في الألم الشديد والمعمم.

لكننا لا نملك تفسيراً واحداً لهذه الفجوة.

وقد يكون ذلك تحديداً هو الدرس الأهم.

فالطب الذي يريد أن يعالج الألم بصورة أفضل لا يستطيع أن يتعامل مع نصف البشرية كما لو كان مجرد استثناء من نموذج صُمم أساساً حول جسم الرجل.

الألم ليس في رأس المرأة.

لكنه ليس في جسدها وحده أيضاً.

إنه عند نقطة التقاء البيولوجيا بالتجربة، والتجربة بالمجتمع، والمجتمع بالطب.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه الدراسة الجديدة يتجاوز الألم نفسه:

عندما تقول امرأة «أنا أتألم»… هل نسمع الألم، أم نسمع فقط الصورة التي كوّنها المجتمع عن المرأة؟

المقال السابق
«الوعد الإلهي» و7 أكتوبر: كيف دخل الدين في قرار حماس؟
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

بعد وفاة موظفة في سيبيريا.. الطاعون الرئوي: كيف ينتقل وهل يستدعي القلق؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية