"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

نرجس محمدي وثمن النضال على أبنائها

نيوزاليست
الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

نرجس محمدي وثمن النضال على أبنائها

في حياة نرجس محمدي سؤال لا تستطيع جائزة نوبل للسلام الإجابة عنه، ولا سنوات السجن، ولا كل ما كتب عن شجاعتها في مواجهة النظام الإيراني.

السؤال هو: ماذا دفع أبناؤها ثمناً لنضالها؟

حين تتحدث محمدي عن سنوات السجن والاعتقال والتعذيب، تبدو صورة المناضلة واضحة. لكن في مذكراتها الجديدة، «امرأة لا تتوقف عن القتال»، تظهر صورة أخرى أكثر هشاشة: امرأة تخشى أن تكون قد حرمت طفليها من أبسط ما يمكن أن تطلبه أمّ لطفليها، وهو أن تكون إلى جانبهما.

وهنا تتحول قصة نرجس محمدي من قصة سياسية إلى مأساة إنسانية.

«كنت أموت غرقاً»

في تموز 2015، كانت محمدي في السجن، بينما كان توأماها علي وكيانا في الثامنة من العمر.

اتخذت قراراً قاسياً: إخراجهما من إيران وإرسالهما إلى باريس للعيش مع والدهما تقي رحماني.

كانت تعرف أن بقاءهما في إيران لم يعد آمناً، لكنها كانت تعرف أيضاً معنى القرار.

حين أقلعت الطائرة، شعرت، كما تروي في مذكراتها، بأن فراغاً هائلاً انفتح داخلها. كان عليها أن تختار بين إبقاء طفليها بالقرب منها وتعريضهما للخطر، أو إرسالهما إلى مكان آمن وقبول احتمال أن يطول الفراق سنوات.

اختارت الأمان.

لكن الأم التي اتخذت القرار لم تستطع أن تتخلص من ثمنه.

بعد أكثر من عقد، لا يزال السؤال يلاحقها: هل كان من حقها أن تحرم طفليها من حياة عادية تكون فيها أمهما إلى جانبهما؟

في مقابلة حديثة، قالت محمدي إنها لا تشك في اختيارها النضال لو عاد بها الزمن، لكنها عندما تنظر إلى علي وكيانا تجد نفسها أمام شك لا تستطيع الإجابة عنه بسهولة.

أمّ «سيئة» في السجن

في مذكراتها، تكشف محمدي أن السجن لم يكن مكاناً لمعاقبتها سياسياً فقط.

كان أيضاً مكاناً يمكن فيه استخدام أمومتها ضدها.

تقول إن المحققين كانوا يذكّرونها باستمرار بأنها أم، وإنها تعرضت حتى لانتقادات من نساء وناشطات داخل السجن، اتهمنها بأنها تركت عائلتها وناقشن معها «كلفة» نضالها.

وبين جدران السجن، كانت محمدي تعاقب نفسها أيضاً.

كانت تسأل إن كانت «أماً سيئة».

وهذه ربما أكثر لحظات مذكراتها قسوة: امرأة تقاوم سجّانها، لكنها لا تستطيع أن تنتصر بسهولة على محكمة داخلية أقامتها في رأسها ضد نفسها.

لكن الطفلين لا يحاكمانها

المفارقة أن علي وكيانا، اللذين دفعا الثمن الأكبر لهذا الغياب، لا يحمّلان والدتهما المسؤولية.

علي، البالغ اليوم 19 عاماً، قال إن والدته لا ينبغي أن تلوم نفسها على السنوات التي غابت فيها عنهما.

بالنسبة إليه، المسؤولية تقع على النظام الإيراني الذي فرّق العائلة وأجبر الأطفال على النمو بعيداً عن أمهم.

وقال إن سماعه والدته تعتذر عن غيابها آلمه، لكنه في الوقت نفسه شعر بالسعادة، لأن الاعتذار كشف له مدى حبها لهما.

أما شقيقته التوأم كيانا، فاختارت جملة أكثر بساطة: «أنا فخورة بها».

وهنا تبلغ القصة ذروتها الإنسانية.

الأم التي تخشى ألا يسامحها طفلاها، تسمع منهما أن الذنب ليس ذنبها.

الخوف الأكبر: أن تموت بعيداً عنهما

لكن الفراق لم يكن مجرد ذكريات قديمة.

خلال القصف الإسرائيلي ـ الأميركي على إيران في حزيران 2025، وانقطاع الاتصالات والإنترنت، عادت الفكرة الأكثر رعباً إلى محمدي: ماذا لو ماتت قبل أن ترى طفليها مجدداً؟

كانت في إيران، وهما في باريس.

لا تستطيع الوصول إليهما، ولا تعرف متى ستراهما، ولا تستطيع حتى أن تضمن أنها ستبقى على قيد الحياة.

كتبت في مذكراتها أنها كانت تخشى أن تغادر العالم من دون أن تراهما مجدداً، وأن عليها أن تبقى حية حتى لا يضطر طفلاها إلى تلقي خبر وفاة والدتهما من بعيد.

في تلك اللحظة، تسقط كل الشعارات.

لا تبقى «نوبل»، ولا السجن، ولا النظام، ولا السياسة.

تبقى أم تخاف الموت قبل أن تعانق طفليها.

ثم جاء الاعتقال من جديد

محمدي خرجت من السجن في أيار 2026 لأسباب صحية، لكن حريتها لم تتحول إلى نهاية للقصة.

في مقابلة حديثة مع «الغارديان»، كشفت تفاصيل عن تعرضها للضرب بعد اعتقالها في كانون الأول 2025، وعن إصابات خطيرة وتدهور صحي، مؤكدة أن احتمال العودة إلى السجن لا يزال قائماً.

أما زوجها تقي رحماني، فيقول إن عودتها إلى السجن تبدو أمراً مرجحاً، رغم وضعها الصحي.

وهكذا لا يزال السؤال مفتوحاً.

محمدي تريد أن تعيش.

تريد أن ترى أبناءها.

وتريد في الوقت نفسه أن تواصل ما تعتبره معركتها من أجل الحرية وحقوق الإنسان.

بين الأم والمناضلة

ربما تكمن قوة قصة نرجس محمدي تحديداً في أنها لا تقدم نموذجاً بطولياً صافياً.

إنها لا تقول إن النضال لا ثمن له.

على العكس، تكشف أن له ثمناً، وأن هذا الثمن لا يدفعه صاحبه وحده دائماً.

علي وكيانا كبرا بعيداً عن والدتهما. تعلما كيف تكون العائلة موجودة من دون أن تكون الأم موجودة جسدياً. قبلا الجائزة التي فازت بها والدتهما بينما كانت في السجن. وتعلما، في الوقت نفسه، أن يكونا أبناء امرأة اختارت قضية أكبر من حياتها الشخصية.

لكن شيئاً آخر حدث أيضاً.

لم يتحول الغياب إلى كراهية.

ولم تتحول سنوات الانفصال إلى قطيعة.

بل يبدو أن الطفلين اختارا أن يقولا لوالدتهما ما كانت هي عاجزة عن قوله لنفسها:

لم تكوني أنتِ المذنبة.

وهنا تصبح نرجس محمدي أكثر من رمز سياسي إيراني.

تصبح أماً تحاول أن تعرف، بعد سنوات من السجن والنضال، إن كان يمكن للإنسان أن يدافع عن قضية يؤمن بأنها أكبر منه، من دون أن يدفع أحب الناس إليه جزءاً من الثمن.

لقد ربحت محمدي اعتراف العالم.

وربحت جائزة نوبل.

وبقيت واقفة في مواجهة السجن والخوف والمرض.

لكن الانتصار الذي تبحث عنه الآن ربما أبسط بكثير:_

أن تجلس يوماً إلى جانب علي وكيانا، من دون أن يكون بينهما قضبان.

المقال السابق
تحوّط عسكري إسرائيلي تحسباً لهجوم محتمل من حماس وحزب الله وإيران
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

جاكلين سميث بعد 50 عاماً من «ملائكة تشارلي»… النجمة التي نجت من صورتها

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية