"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

الجريمة تحرّك صناديق الاقتراع في المجتمع العربي بإسرائيل: من الخوف إلى محاولة انتزاع التأثير

نيوزاليست
الخميس، 29 أكتوبر 2026

الجريمة تحرّك صناديق الاقتراع في المجتمع العربي بإسرائيل: من الخوف إلى محاولة انتزاع التأثير

لم تكن المشاركة القياسية للمواطنين العرب في الانتخابات الإسرائيلية مجرد استجابة للمنافسة على السلطة بين بنيامين نتنياهو وخصومه. خلف الأرقام التي منحت القائمتين العربيتين 19 مقعداً، برزت أزمة يومية أكثر التصاقاً بحياة الناس: الجريمة المنظمة، وجرائم القتل، وانتشار السلاح، والشعور بأن الدولة لم تنجح في توفير الحماية لمواطنيها.

ففي مجتمع شهد تصاعداً غير مسبوق في العنف خلال الأعوام الأخيرة، لم يعد الأمن الشخصي قضية اجتماعية يمكن تأجيلها، بل أصبح اختباراً مباشراً لجدوى المشاركة السياسية وقدرة ممثلي المواطنين العرب على انتزاع تغيير ملموس في السياسات الحكومية.

القتل خارج السيطرة

تكشف الأرقام حجم الأزمة. فقد قُتل 252 شخصاً في ظروف مرتبطة بالعنف والجريمة داخل المجتمع العربي خلال عام 2025، وفق إحصاءات مبادرة إبراهيم، في حصيلة وُصفت بأنها قياسية. واستمر النزف خلال النصف الأول من عام 2026، مع تسجيل 144 ضحية في حوادث العنف والجريمة، بينهم مواطنون عرب وسكان من القدس الشرقية، وفق التقرير الذي نشرته المبادرة.

ولا تكمن خطورة هذه الأرقام في عدد الضحايا وحده، بل في اتساع دائرة الخوف التي تنتجها. فحين يصبح إطلاق النار احتمالاً يومياً، وتتحول الخلافات التجارية والشخصية إلى عمليات اغتيال، وتفرض جماعات إجرامية الإتاوات على أصحاب المصالح، تتراجع ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على أداء إحدى وظائفها الأساسية: حماية حياتهم وممتلكاتهم.

وتتضاعف المشكلة مع انخفاض معدلات كشف جرائم القتل. فقد أشارت بيانات نشرتها مبادرة إبراهيم إلى أن الشرطة الإسرائيلية لم تتمكن من حل سوى نحو 12 في المئة من جرائم القتل في المجتمع العربي خلال النصف الأول من عام 2026. وهذا الواقع يعزز الشعور بأن الإفلات من العقاب بات جزءاً من البيئة التي تسمح باستمرار العنف.

الجريمة تتحول إلى قضية انتخابية

لم تكن أولوية مكافحة الجريمة مجرد شعار رفعته الأحزاب العربية خلال الحملة الانتخابية. فقد أظهر استطلاع «مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي 2025» أن نحو ثلاثة أرباع المستطلعين العرب يعتبرون موقف الحزب من مكافحة الجريمة عاملاً مهماً في تحديد خيارهم الانتخابي، فيما وصف 42 في المئة هذا العامل بأنه مهم جداً.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة عند قراءتها إلى جانب الارتفاع الكبير في المشاركة الانتخابية في 27 أكتوبر 2026، والتي اقتربت من 80 في المئة وفق تقديرات وتقارير إعلامية، بالتزامن مع حصول القائمتين العربيتين الرئيسيتين على 19 مقعداً بحسب النتائج الأولية.

لا تثبت هذه المعطيات أن الجريمة كانت السبب الوحيد، أو حتى السبب الحاسم بمفردها، في ارتفاع المشاركة. لكنها تؤكد أن مكافحة العنف تحتل موقعاً متقدماً في حسابات الناخب العربي، وأن التعامل معها بات جزءاً أساسياً من تقييم الأحزاب والمرشحين.

فالناخب الذي يخشى على أبنائه من الرصاص، أو على متجره من الابتزاز، لا ينظر إلى السياسة باعتبارها سجالاً نظرياً حول الهوية والتمثيل فقط. إنه يريد أن يعرف ما إذا كان صوته قادراً على تغيير أداء الشرطة، وملاحقة العصابات، ومصادرة السلاح غير القانوني، وإنهاء حالة الخوف التي تقيّد حياته اليومية.

بن غفير في قلب الاعتراض

برز أداء وزير الأمن القومي المنتهية ولايته إيتمار بن غفير في النقاش الانتخابي المتعلق بالجريمة. فقد ربطت تقارير إعلامية بين ارتفاع المشاركة العربية والغضب من أداء الحكومة في مواجهة العنف، إلى جانب الاعتراض على خطاب اليمين وسياساته تجاه المواطنين العرب.

وبالنسبة إلى قطاعات من المجتمع العربي، لم يعد ملف الجريمة منفصلاً عن المسؤولية السياسية للوزير الذي يتولى الإشراف على الشرطة. فاستمرار القتل خلال السنوات الأخيرة جعل من نتائج المواجهة مع العصابات معياراً للحكم على السياسة الأمنية، لا مجرد مسألة تقنية تخص الأجهزة المختصة.

لكن الاعتراض على أداء الحكومة لا يقتصر على بن غفير وحده، كما أن معالجة الجريمة لا يمكن اختزالها في تغيير وزير أو حكومة. فالأزمة تتصل أيضاً بانتشار السلاح، وقدرة التنظيمات الإجرامية على ترهيب الشهود، وضعف كشف الجرائم، ومدى فاعلية المؤسسات القضائية والشرطية.

من الاحتجاج إلى محاولة التأثير

يمكن قراءة الإقبال الكثيف على صناديق الاقتراع باعتباره محاولة لتحويل الغضب إلى قوة سياسية. فبدلاً من الاكتفاء بالتظاهر والإضراب والتعبير عن فقدان الثقة، اختار عدد كبير من المواطنين العرب المشاركة في تحديد تركيبة الكنيست المقبل، بما يرفع الوزن البرلماني للأحزاب التي يفترض أن تحمل مطالبهم إلى المؤسسات الحكومية.

ومع حصول القائمتين العربيتين على 19 مقعداً وفق النتائج الأولية، باتت أصواتهما ذات أهمية في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة. غير أن زيادة التمثيل لا تعني تلقائياً القدرة على فرض برنامج لمكافحة الجريمة، خصوصاً في ظل تحفظ أحزاب يهودية معارضة على التعاون مع الأحزاب العربية، حتى عندما تكون أصواتها ضرورية لتغيير ميزان القوى البرلماني.

وهنا تكمن المفارقة: المجتمع الذي يطالب بحماية متساوية أمام القانون يكتشف أن زيادة مشاركته السياسية لا تضمن بالضرورة إشراك ممثليه في صنع القرار. وقد تتحول المقاعد الإضافية إلى مصدر نفوذ تفاوضي، لكن قيمتها العملية ستظل مرتبطة بقدرة الأحزاب العربية على تحويل مطالبها إلى التزامات حكومية قابلة للقياس والمحاسبة.

امتحان ما بعد الانتخابات

لا يكفي أن تتعهد الأحزاب بمكافحة الجريمة، ولا أن تعلن الحكومة تخصيص ميزانيات إضافية للأجهزة الأمنية. المطلوب نتائج ملموسة: ارتفاع معدلات كشف جرائم القتل، تفكيك شبكات الابتزاز، ملاحقة مصادر السلاح غير القانوني، حماية الشهود، وضمان ألا تبقى البلدات العربية عرضة لنفوذ التنظيمات الإجرامية.

كما أن المواجهة تحتاج إلى مقاربة تتجاوز الجانب الأمني، فتشمل دعم السلطات المحلية، وتوسيع فرص العمل والتعليم، وتعزيز الخدمات الاجتماعية، وملاحقة أي اختراق إجرامي للمناقصات والاقتصاد المحلي.

لقد أظهرت الانتخابات أن أزمة الجريمة قادرة على دفع المواطنين إلى إعادة النظر في علاقتهم بصندوق الاقتراع. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد فرز الأصوات: هل ستتحول المشاركة القياسية إلى ضغط سياسي مستمر يفرض معالجة الأزمة، أم ستبقى الأرقام الكبيرة إنجازاً انتخابياً لا يغيّر الواقع الأمني؟

بالنسبة إلى المواطنين الذين يعيشون تحت تهديد السلاح والابتزاز، لا تُقاس قيمة الانتخابات بعدد المقاعد وحده، بل بمدى قدرتها على جعل الحياة أكثر أمناً، ومحاسبة المسؤولين عن الفشل، واستعادة حقهم في العيش من دون خوف.

المقال السابق
طلب رسمي إلى «الشاباك» للتحقيق بتمويل قطري-تركي للوائح الأحزاب العربية
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

إسرائيل بعد الانتخابات: مَن يشكّل الحكومة، ومتى يعود الناخبون إلى الصناديق؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية