بين الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، يقف لبنان أمام مرحلة تتشابك فيها حساباته الداخلية مع استحقاقات خارجية قد تنعكس مباشرة على مسار الحرب والتفاوض ومستقبل الجنوب. فبينما تختبر تل أبيب اليوم خياراتها عبر صناديق الاقتراع، تستعد واشنطن بعد أسابيع لاختبار انتخابي قد يؤثر في أولويات إدارة دونالد ترامب. وفي الحالتين، تبدو بيروت معنية بما ستفرزه الصناديق، لا من زاوية تبدّل الوجوه السياسية فحسب، بل أيضاً من زاوية انعكاس النتائج على القرارات المتعلقة بلبنان، باعتباره هدفاً قائماً بذاته من جهة، وساحة يتداخل فيها النفوذ الإيراني عبر «حزب الله» من جهة أخرى.
في إسرائيل، تتداخل الحسابات الانتخابية مع ملفات الأمن والحدود والوجود العسكري في الجنوب اللبناني. فمستقبل الانتشار الإسرائيلي، وشروط الانسحاب، والضمانات الأمنية، ومسار التفاوض مع بيروت، كلها قضايا يصعب فصلها عن التجاذبات السياسية الداخلية. وقد تفرض نتائج الانتخابات إعادة ترتيب الأولويات أو التحالفات، لكن تأثيرها الفعلي سيبقى مرتبطاً بقدرة القوى السياسية على تشكيل حكومة وبالقرارات التي ستتخذها في الملفات الأمنية والتفاوضية.
وبينما يسعى كل طرف إلى تثبيت روايته لمآلات المواجهة، يبقى لبنان معنياً بقرارات إسرائيلية تتصل بأرضه وأمنه، من دون أن يمتلك وحده القدرة على تحديد توقيتها أو شروطها. فحتى إذا تبدّلت موازين القوى داخل الكنيست، لن يعني ذلك تلقائياً تبدّلاً في السياسة الإسرائيلية حيال لبنان، ما لم تُترجم النتائج إلى خيارات حكومية واضحة.
أما في الولايات المتحدة، فتكتسب الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني أهمية إضافية في ضوء انعكاساتها المحتملة على أولويات إدارة دونالد ترامب. ويترقب لبنان مسار السياسة الأميركية حيال دعم الجيش، والضغط لحصر السلاح بيد الدولة، ومستقبل المفاوضات مع إسرائيل، فضلاً عن موقع الملف اللبناني في سلّم الاهتمامات الأميركية وسط ملفات إقليمية ودولية متشابكة.
وقد تؤثر نتائج الانتخابات في حسابات الكونغرس وفي قدرة الإدارة على تمرير أولوياتها، لكن لا يصح افتراض أن تبدّل موازين القوى التشريعية سيؤدي وحده إلى تغيير السياسة الأميركية تجاه لبنان. فذلك يتوقف أيضاً على قرارات البيت الأبيض، وعلى تطورات المنطقة، وعلى مدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من الضغوط والمواقف إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
هكذا، ينتظر لبنان على رصيف انتخابات الآخرين، كأن مصيره معلّق بصناديق اقتراع لا يملك فيها صوتاً ولا قراراً. لكن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ فالقوى اللبنانية هي التي اختارت، ولا تزال، تحويل البلاد إلى ساحة تتنازعها الحسابات الإقليمية والدولية، وتنتظر الإشارات الخارجية لتحديد خياراتها الداخلية.
ولم يعد مقبولاً أن تُدار الدولة بمنطق الترقّب، أو أن يُترك قرار الحرب والسلم ومستقبل الجنوب رهينة نتائج انتخابات في تل أبيب أو واشنطن. فالتغيّرات الخارجية قد تفتح نوافذ أو تغلق أخرى، لكنها لا تعفي اللبنانيين من مسؤولية تحديد مصالحهم الوطنية، ولا تمنحهم ترف الانتظار إلى أن يقرر الآخرون مصيرهم.
المطلوب قرار لبناني واضح وشجاع يعيد الاعتبار للدولة، ويضع مصالحها فوق حسابات المحاور، ويجعل حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية أساساً لأي تسوية مقبلة. وإلا، فإن لبنان لن يكون شريكاً في رسم مستقبله، بل مجرد متلقٍّ لنتائج الآخرين، يدفع وحده ثمن الجحيم الذي يُرمى فيه مرة جديدة!
