حين تعلن دولة أنها تنتقم لضحايا الإرهاب، ثم تسقط ضحايا مدنيون في غاراتها، يصبح السؤال عن العدالة والمحاسبة أكثر إلحاحًا من شعارات الانتصار.
أعلن الأردن، الاثنين، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع في جنوب سوريا، قال إنها تعود إلى مجموعات مسلّحة مرتبطة بالهجوم الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين.
لكن العملية التي قدّمتها عمّان بوصفها ردًا على الهجوم فتحت بابًا واسعًا من الأسئلة، بعدما أفادت تقارير سورية بمقتل مدنيين في الغارات، بينهم أطفال ونساء.
وبحسب تقارير سورية، ارتفعت حصيلة القتلى إلى ثمانية أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال قُتلوا داخل خيمة استُهدفت في ريف درعا، إضافة إلى امرأة ورجل مسنّ يبلغ نحو ثمانين عامًا، وآخر يبلغ ستين عامًا.
هنا، لا يعود السؤال محصورًا في حق الدول في مواجهة الإرهاب، بل يمتد إلى طبيعة الرد، والأدلة التي يستند إليها، والثمن الذي يدفعه المدنيون.
من يحاسب من؟
ما الفرق بين جريمة تستهدف مدنيين داخل كنيسة، وعملية عسكرية تؤدي إلى مقتل أطفال ونساء داخل خيمة؟
لا يعني ذلك أن الحادثتين متطابقتان في ظروفهما أو دوافعهما، لكنهما تضعان أمامنا سؤالًا واحدًا: هل تبقى حياة المدنيين مقدّسة عندما يتغيّر الطرف الذي يستخدم القوة؟
إذا كان قتل الأبرياء جريمة تستوجب المحاسبة، فلا يجوز أن تتراجع هذه القاعدة عندما يكون الفاعل جيشًا نظاميًا أو دولة ترفع شعار مكافحة الإرهاب.
فمواجهة الإرهاب لا تعني منح أي جهة حصانة من المساءلة، كما أن معاقبة المسؤولين عن جريمة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرّر لإيقاع ضحايا جدد.
إسرائيل والأردن… هل يتغيّر المعيار بتغيّر الفاعل؟
قد تبدو المقارنة بين الغارات الأردنية والعمليات الإسرائيلية مستفزّة للبعض، لكنها تطرح مسألة جوهرية تتعلق بازدواجية المعايير.
فحين تسقط القنابل على مناطق تضم مدنيين، وتُقتل النساء والأطفال، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن طبيعة الأهداف، ومدى التحقق منها، والاحتياطات التي اتُّخذت لحماية الأبرياء.
لا يعني ذلك أن كل عملية عسكرية متشابهة، ولا أن الظروف القانونية والعسكرية واحدة. لكن المبدأ يجب أن يبقى ثابتًا: لا يكفي أن تعلن أي دولة أن هدفها أمني حتى تُعفى من تقديم الأدلة وتوضيح ملابسات سقوط الضحايا المدنيين.
فإذا رفضنا تبرير قتل الأطفال والنساء في غزة بحجة استهداف الإرهاب، فلا يمكننا تجاهل الأسئلة نفسها عندما يتعلق الأمر بغارات أردنية داخل سوريا.
تصريحات وزير الداخلية الأردني تفتح باب الأسئلة
المفارقة الأبرز تظهر عند وضع الغارات في سياق تصريحات وزير الداخلية الأردني مازن الفراية.
ففي المؤتمر الصحافي الذي عُقد في 26 تشرين الأول/أكتوبر، أكد الفراية أن ملف الهجوم على الكنيسة لم يُغلق، وأن التحقيقات مستمرة، مضيفًا أنه «حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أي روابط بينهم وبين خلايا أخرى».
كما قال مدير الأمن العام الأردني إن المشتبه فيهم يمثّلون أنفسهم، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن المؤتمر الصحافي.
في المقابل، أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن التحقيقات أظهرت ارتباط المشتبه فيهم بمجموعات إرهابية تنشط في جنوب سوريا، وأن الغارات استهدفت مواقع مرتبطة بها.
وهنا يبرز سؤال يستحق إجابة واضحة: ما الأدلة التي استندت إليها السلطات الأردنية للربط بين منفّذي هجوم الكنيسة والمجموعات المستهدفة داخل سوريا؟ علمًا أنّ السلطات الأردنية كانت قد ألقت القبض على المشتبه فيهم الثلاثة، وجميعهم أردنيون، فهل نُشرت معلومات كافية تشرح طبيعة هذا الارتباط، وتبرّر اختيار الأهداف التي قُصفت؟
إن قول الوزير إنه لا توجد مؤشرات على ارتباط المشتبه فيهم بخلايا أخرى لا ينفي تلقائيًا احتمال وجود صلات لهم بمجموعات خارجية، لكنه يجعل توضيح الأساس الاستخباراتي للعملية أمرًا أكثر أهمية.
فإذا كانت الغارات تستهدف مجموعات مرتبطة بالهجوم، فمن حق الرأي العام معرفة طبيعة هذه الصلة، وما إذا كانت الأهداف التي قُصفت تضم فعلًا الأشخاص أو المواقع المعنية.
الانتقام ليس عدالة
المشكلة ليست في حق الأردن في حماية مواطنيه أو ملاحقة المسؤولين عن هجوم الكنيسة؛ فهذا حق مشروع من حيث المبدأ. المشكلة تكمن في أن تتحول عبارة «الانتقام للضحايا» إلى عنوان يُختصر فيه النقاش كله، وكأن إعلان العملية كافٍ لإثبات عدالتها.
فالانتقام ليس معيارًا قانونيًا، وسقوط ضحايا جدد لا يثبت نجاح عملية عسكرية ولا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بأهدافها ونتائجها.
إذا كان الهدف تحقيق العدالة لضحايا الكنيسة، فإن الطريق يبدأ بكشف الحقيقة، وتحديد المسؤولين، وتقديم الأدلة، ومحاسبة المتورطين، لا بإغلاق النقاش تحت عنوان النصر.
ولا يمكن المطالبة باحترام حياة الضحايا في الأردن، ثم التعامل مع الضحايا المدنيين في سوريا باعتبارهم أرقامًا جانبية في معركة أكبر منهم.
حين تصبح الغاية مبرّرًا للوسيلة
المشكلة الأعمق تكمن في العقلية التي تتعامل مع القوة بوصفها تفويضًا مفتوحًا، ومع الغاية بوصفها مبرّرًا لكل وسيلة.
فحين تقتنع أي سلطة بأن الهدف الذي تعلنه يعفيها من المساءلة، يصبح القانون تفصيلًا، وتتحول حياة المدنيين إلى ثمن يمكن التغاضي عنه.
ليس المطلوب التشكيك في حق الدول في حماية مواطنيها، بل المطالبة بأن تخضع قراراتها العسكرية للقانون، وأن تكون مستعدة لتقديم إجابات واضحة عندما يسقط مدنيون نتيجة عملياتها.
فالعدالة لا تتجزأ، والإرهاب لا يُواجَه بإرهاب مضاد، والانتقام لا يصبح عدالة لمجرد أن الدولة هي التي تعلنه.
ومن يطالب بمحاسبة قتلة ضحايا الكنيسة، عليه أن يطالب أيضًا بكشف الحقيقة بشأن ضحايا خيمة درعا. أما الاكتفاء بتصفيق الجمهور لإعلان الانتصار، قبل الإجابة عن الأسئلة الصعبة، فهو الطريق الأقصر لتحويل المأساة إلى أداة سياسية، بدل أن تكون دافعًا حقيقيًا لتحقيق العدالة
