لا ينتهي الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل بإقفال صناديق الاقتراع أو إعلان النتائج، بل تبدأ بعده مرحلة دستورية وسياسية قد تكون أكثر تعقيداً من الحملة الانتخابية نفسها. فالسؤال الأساسي لم يعد مقتصراً على عدد المقاعد التي حصدها كل معسكر، بل يتصل بقدرة الأحزاب على تحويل الأرقام إلى ائتلاف حكومي يحظى بثقة الكنيست، أو الانزلاق إلى مأزق سياسي يفتح الباب أمام انتخابات جديدة.
ومن المتوقع صدور النتائج الكاملة بحلول ظهر الخميس، فيما يحدد القانون يوم الأربعاء 4 تشرين الثاني موعداً نهائياً لنشر النتائج الرسمية. وحتى اكتمال الفرز، بما يشمل الأصوات التي تحتاج إلى إجراءات خاصة، تبقى الأرقام المعلنة عرضة للتعديل.
الأرقام لا تحسم المعركة
تشير التقديرات الأولية إلى حصول معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 67 مقعداً للأحزاب المعارضة له. لكن هذه الأغلبية العددية لا تعني تلقائياً أن المعارضة قادرة على تشكيل حكومة، إذ تتوزع مقاعدها بين أحزاب يقودها يهود، حصلت على 48 مقعداً، وأحزاب عربية حققت رقماً قياسياً بلغ 19 مق عداً.
وتكمن العقدة في موقف عدد من قادة المعارضة الذين يستبعدون إشراك الأحزاب العربية في ائتلاف حكومي. وبذلك، لا تكفي الأرقام وحدها لإسقاط نتنياهو سياسياً، ما لم تتمكن القوى المناهضة له من تجاوز خلافاتها والتوصل إلى صيغة تتيح لها جمع أغلبية برلمانية متماسكة.
في المقابل، قد تمنح المقاعد العربية وزناً حاسماً في حسابات تشكيل الحكومة، سواء من خلال المشاركة في الائتلاف أو دعمه من خارجه، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بمواقف الأحزاب المعنية وبقدرتها على التفاهم على برنامج سياسي مشترك.
من يكلّف بتشكيل الحكومة؟
بعد نشر النتائج الرسمية، تبدأ الإجراءات الدستورية لتشكيل الحكومة. ويتشاور رئيس الدولة مع ممثلي الكتل البرلمانية، ثم يكلّف أحد أعضاء الكنيست بالمهمة، استناداً إلى المشاورات وفرص المرشح في تأمين دعم برلماني كافٍ.
ويُمنح المرشح الأول 28 يوماً لتشكيل الحكومة، ويمكن للرئيس تمديد المهلة مدة تصل إلى 14 يوماً إضافياً، ليصبح الحد الأقصى 42 يوماً.
إذا أخفق المرشح الأول، يستطيع الرئيس تكليف عضو آخر من الكنيست بالمهمة، ويُمنح المرشح الثاني 28 يوماً من دون تمديد. وإذا فشلت هذه المحاولة أيضاً، يتيح القانون مهلة مدتها 21 يوماً يمكن خلالها لـ61 نائباً أن يطلبوا خطياً تكليف عضو محدد في الكنيست، شرط موافقته. ويُمنح هذا المرشح، في حال تكليفه وفق الأصول، 14 يوماً لتشكيل الحكومة.
ولا تعني هذه المهل أن تشكيل الحكومة يستغرق بالضرورة المدة القصوى، إذ يمكن التوصل إلى اتفاق في وقت أقصر. لكنها تبيّن أن المسار الدستوري يتيح أكثر من محاولة قبل الوصول إلى مرحلة الانسداد النهائي.
هل تعود إسرائيل إلى الانتخابات؟
يبقى احتمال الانتخابات المبكرة قائماً إذا عجزت الأحزاب عن الاتفاق على حكومة جديدة. فإذا فشلت المحاولات الدستورية المحددة، ولم يتمكن أي مرشح من تشكيل حكومة وفق الآليات القانونية، تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة.
كذلك، يتيح القانون حلّ الكنيست قبل انتهاء ولايته من خلال إجراءات تشريعية تستوفي الشروط المطلوبة. ولذلك، فإن تعثّر المفاوضات لا يعني بالضرورة إجراء انتخابات فورية، لكنه قد يدفع الأطراف السياسية إلى البحث عن تسوية، أو إلى القبول بحكومة بديلة، أو إلى الذهاب مجدداً إلى صناديق الاقتراع.
وفي الأثناء، تستمر الحكومة القائمة في أداء مهامها بصفتها حكومة تصريف أعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة ونيلها ثقة الكنيست.
المعضلة السياسية تتجاو ز نتنياهو
لا تتعلق الأزمة المحتملة بمجرد قدرة نتنياهو على البقاء في السلطة أو خسارتها، بل بطبيعة التحالفات الممكنة داخل البرلمان الإسرائيلي. فالمعارضة التي تمتلك، وفق التقديرات الأولية، عدداً أكبر من المقاعد، تواجه اختباراً صعباً يتمثل في تحويل هذا التفوق العددي إلى شراكة حكومية فعلية.
وتبرز هنا معضلة الأحزاب العربية: فنتائجها القياسية تمنحها ثقلاً برلمانياً غير مسبوق، لكن استبعادها من الحسابات الائتلافية لدى عدد من قادة المعارضة قد يحول دون استثمار هذا الثقل في تشكيل الحكومة.
وفي المقابل، سيكون على نتنياهو اختبار قدرته على إعادة جمع حلفائه، أو استقطاب نواب من خارج معسكره، أو الاستفادة من تعثّر خصومه في التوصل إلى اتفاق. لكن أيّاً من هذه المسارات لا يمكن اعتباره مضموناً قبل اتضاح النتائج النهائية ومواقف الكتل البرلمانية.
بين حكومة جديدة وصناديق الاقتراع____
تدخل إسرائيل، إذا أكدت النتائج النهائية الأرقام الأولية، مرحلة تتداخل فيها الحسابات البرلمانية مع الخلافات السياسية بشأن هوية الشركاء المقبولين في الحكومة. وقد تنتهي المفاوضات إلى ائتلاف جديد، أو إلى استمرار حكومة تصريف الأعمال خلال فترة البحث عن مخرج، أو إ لى انتخابات مبكرة إذا استُنفدت المسارات الدستورية من دون نتيجة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي بعد الانتخابات لن يكون فقط في معرفة مَن حصل على العدد الأكبر من المقاعد، بل في تحديد مَن يستطيع جمع الأصوات اللازمة للحكم. ففي النظام البرلماني الإسرائيلي، لا تُحسم السلطة بصناديق الاقتراع وحدها، بل أيضاً بقدرة الأحزاب على بناء التحالفات، وتجاوز خطوطها الحمراء، وتأمين ثقة الكنيست.
