"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

يد إيران مغمّسة بدماء اللبنانيّين

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأحد، 16 أغسطس 2026

لم يعد الدور الإيراني في لبنان يحتاج إلى كثير من الاستنتاجات أو القراءات السياسية؛ فطهران نفسها تقدم، على لسان أحد أبرز مسؤوليها، ما يكفي لإعادة طرح السؤال عن حدود تورطها في الكارثة اللبنانية. رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف قال في أحدث تصريحاته إنه «يتواصل دوماً مع المقاتلين في الخطوط الأمامية في لبنان»، في إشارة إلى حزب الله، في وقت تحاول فيه بيروت تثبيت حصرية قرار السلم والحرب بيد الدولة، وتتجه فيه المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر حساسية.

كلام قاليباف لا يأتي منفصلاً عن خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. فقاسم، في إطلالته الأخيرة، جدد رفضه للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل ولـ«اتفاق الإطار» وللرعاية الأميركية، وهاجم السلطة اللبنانية، في مقابل تثبيت رهانه على إيران. وقدّم طهران باعتبارها صاحبة الدور الحاسم في وقف الحرب، قائلاً إن «اتفاق إسلام آباد» ومعادلاته هما اللذان أوقفا النار، وإن إيران هي القادرة على استعادة الأرض بدبلوماسيتها.

هنا تكتمل صورة المعادلة: قاسم يتحدث عن إيران بوصفها الضامن، وقاليباف يتحدث عن تواصله مع المقاتلين في الخطوط الأمامية، فيما إسرائيل تضرب مواقع حزب الله في الجنوب، ثم تقول في الوقت نفسه إنها تريد مفاوضات «أكثر جدية» مع لبنان.

هذه ليست تفاصيل متفرقة. إنها ثلاث روايات تتصارع على لبنان: رواية حزب الله التي تجعل إيران مرجعية القرار والضمان، ورواية الدولة التي تريد أن تجعل التفاوض شأناً لبنانياً رسمياً، ورواية إسرائيل التي تجمع بين القوة العسكرية والضغط السياسي لإعادة صياغة الواقع على الحدود.

إيران: من الحليف إلى المرجعية

المشكلة التي يكشفها كلام قاليباف ليست في تورط حزب الله مع ايران، بل في مستوى هذا التورط.

فحين يقول رئيس مجلس الشورى الإيراني إنه يتواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية، فإن العلاقة بين طهران والحزب تكون أبعد من مجرد تحالف سياسي أو دعم استراتيجي. إنها قناة تصل، بحسب المسؤول الإيراني نفسه، إلى الميدان.

وهذا يطرح السؤال اللبناني الأكثر حساسية: كيف يمكن للدولة أن تكون صاحبة القرار الحصري في الحرب والسلم، فيما تحتفظ عاصمة إقليمية بقناة مباشرة مع القوة المسلحة التي تقاتل على الأرض؟

الرئيس اللبناني جوزاف عون كان قد رفض التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، داعياً طهران إلى عدم التعامل مع لبنان كورقة في مفاوضاتها الإقليمية. لكن كلام قاليباف يقدم صورة مختلفة تماماً: إيران لا تبدو مستعدة للتخلي عن قناتها مع حزب الله، ولا عن موقعها في المعادلة اللبنانية.

قاسم يراهن على إيران

وتزداد دلالة كلام قاليباف عندما يوضع إلى جانب خطاب قاسم الأخير.

فالأمين العام لحزب الله لم يكتفِ برفض المفاوضات التي تقودها الدولة اللبنانية، بل بنى رواية سياسية كاملة حول الدور الإيراني.

في هذه الرواية، إيران هي التي أوقفت الحرب، وهي التي فرضت معادلات وقف النار، وهي التي تستطيع أن تستعيد الأرض عبر دبلوماسيتها. أما المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، فهي في نظر قاسم مسار مذلّ يقدم تنازلات لإسرائيل.

وبذلك يصر على نقل مركز الثقل في القرار من بيروت إلى طهران.

المفارقة أن الخطابين الإيراني والحزبي يلتقيان عند نقطة واحدة: لبنان ليس وحده صاحب القرار في ما يجري على أرضه.

لكن الميدان الإسرائيلي يقدم الرواية الأكثر تعقيداً.

فإسرائيل تواصل ضرباتها ضد حزب الله، وتستهدف ما تقول إنه مواقع وبنى عسكرية للحزب، كما حصل في أنصار ودير الزهراني، وقبل ذلك في مواقع وأنفاق ذات أهمية استراتيجية.

لكن المفارقة أن التصعيد العسكري جاء متزامناً مع رسالة سياسية مختلفة تماماً من حكومة بنيامين نتنياهو.

فبعد الغارات الدامية الأخيرة، قال متحدث باسم نتنياهو إن إسرائيل تريد مفاوضات جديدة وأكثر طموحاً مع لبنان برعاية أميركية، معتبراً أن الضربات ضد حزب الله يجب أن «تدفع المحادثات» وتجعلها أكثر جدية، لا أن تؤدي إلى وقفها. وأضاف أن «العدو المشترك» لإسرائيل ولبنان هو حزب الله.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف.

إسرائيل لا تقول إنها تريد الحرب مع الدولة اللبنانية؛ بل تقول إنها تريد التفاوض معها. لكنها في الوقت نفسه تضرب القوة التي تعتبرها العقبة أمام هذا التفاوض.

بمعنى آخر، تريد إسرائيل أن تفاوض لبنان بعد تغيير ميزان القوة مع حزب الله.

وهذا يختلف جذرياً عن الرؤية التي يقدمها قاسم: فالحزب يرى أن إسرائيل تستخدم المفاوضات لفرض شروطها، بينما ترى إسرائيل أن ضرب حزب الله هو الذي يمكن أن يجعل المفاوضات أكثر جدية.

بين الروايتين، تحاول الدولة اللبنانية أن تجد لنفسها مكاناً.

وهنا يعود السؤال إلى إيران.

إذا كانت طهران هي الضامن الذي يتحدث عنه قاسم، وإذا كانت قادرة على وقف الحرب وإدارة المعادلة الإقليمية، فلماذا تواصل إسرائيل ضرب حزب الله واستهداف بنيته العسكرية؟

لا يعني ذلك أن إيران بلا نفوذ. العكس هو الصحيح وذلك بسبب تبعية “حزب الله” لها. لكن امتلاك النفوذ شيء، وامتلاك القدرة على منع العدو من استخدام القوة شيء آخر.

إسرائيل، حتى الآن، لا تتعامل مع الرهان الإيراني باعتباره مظلة تمنح حزب الله حصانة. وهي تحاول أن تثبت أن قدرتها العسكرية في الجنوب مستقلة عن الحسابات الإيرانية.

وهنا تصبح الضربات الإسرائيلية جزءاً من صراع على صورة القوة.

قاسم يقول: إيران هي الضمانة.

قاليباف يقول: أنا على اتصال بالمقاتلين.

وإسرائيل ترد من الميدان: هذه هي المواقع التي نستطيع الوصول إليها.

المشكلة اللبنانية هي أن الدولة تجد نفسها بين مسارين متوازيين.

مسار رسمي تقوده بيروت عبر المفاوضات المباشرة برعاية أميركية، ومسار آخر يمر عبر حزب الله وطهران ويستند إلى معادلة مختلفة في تعريف السيادة والقرار.

وفي المسار الأول، يفترض أن تكون الدولة هي المرجعية.

وفي الثاني، تبدو الدولة الطرف الأضعف من أطراف المعادلة.

وهذا ما يجعل كلام قاليباف خطيراً سياسياً، لا لأنه يؤكد تورط إيران فحسب، بل لأنه يكشف استمرار وجود قناة إيرانية مع الميدان اللبناني في لحظة يفترض أن تنتقل فيها إدارة الملف إلى الدولة.

وهنا يمكن فهم الموقف الإسرائيلي الأخير بصورة أكثر وضوحاً.

حين تقول إسرائيل إنها تريد مفاوضات «أكثر جدية» مع لبنان، فهي لا تعرض بالضرورة تسوية متوازنة بين دولتين. بل تريد، كما يظهر من خطاب نتنياهو ومقربيه، أن يكون حزب الله هو المشكلة التي يجري التفاوض على إنهائها، وأن تصبح الدولة اللبنانية الطرف الذي يتولى معالجة هذه المشكلة.

وهذا يضع لبنان أمام امتحان صعب.

فإذا قبلت الدولة بهذا المنطق، عليها أن تثبت قدرتها على فرض قراراتها على الأرض.

وإذا رفضته، فيما يبقى حزب الله محتفظاً بسلاحه وبعلاقته المباشرة مع إيران، فإن إسرائيل ستجد مبرراً إضافياً للقول إن المسار السياسي لم ينتج بعد واقعاً أمنياً قابلاً للحياة.

وفي الحالتين، يبقى السلاح هو العقدة.

في النهاية، لا تدور المعركة في الجنوب حول الأنفاق والمواقع والغارات فقط. إنها معركة على من يملك قرار لبنان.

قاسم يريد تثبيت رواية تقول إن إيران هي الضامن، وإن الرهان عليها أكثر جدوى من التفاوض المباشر مع إسرائيل.

قاليباف يمنح هذه الرواية بعداً عملياً عندما يقول إنه يتواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية.

إسرائيل تضرب حزب الله عسكرياً، وتقول في الوقت نفسه إنها تريد مفاوضات أكثر جدية مع لبنان.

والولايات المتحدة تحاول دفع الدولة اللبنانية إلى الإمساك بالمسار السياسي والأمني معاً.

أما لبنان، فيبقى عالقاً بين هذه المسارات.

إيران تريد الاحتفاظ بقناة نفوذها.

حزب الله يريد الاحتفاظ بدوره الميداني.

إسرائيل تريد تغيير ميزان القوة قبل التسوية.

وواشنطن تريد أن تنجح الدولة اللبنانية في استعادة موقعها.

وهكذا تصبح المعادلة الدموية اللبنانية أكثر وضوحاً: إيران حاضرة في الميدان عبر حزب الله ومستشاريها العسكريين، إسرائيل حاضرة في الميدان بقوتها العسكرية وضرباتها، والدولة اللبنانية تحاول أن تحجز لنفسها مكاناً في التفاوض قبل أن يقرر الآخرون شكل لبنان المقبل.

والسؤال الذي يبقى معلقاً فوق كل ذلك ليس فقط: من سيتفاوض مع إسرائيل؟

بل: من سيملك القدرة على تنفيذ ما سيجري التفاوض عليه؟

المقال السابق
عن «المفكر اليهودي» الذي يعتبره الشيخ نعيم مرجعاً
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

إذا كانت إيران أوقفت الحرب…

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية