سامح المحاريق
أحد أصدقائي المُبتَلَين بمعاقرة الشراب لفت انتباهي للأمر وهو يقول ذات مرة: “الذين يستمعون لأم كلثوم وجورج وسوف أثناء جلسة الشراب لا يفهمون شيئًا، لم يجربوا المتعة الخالصة بأن يضعوا أمامهم كأسًا فاخرًا ويغوصوا في مقعدٍ و ثير أمام التلفاز لمتابعة لقاءٍ مع وليد بيك! “.
كان صديقي يصرف النظر عن نصائحي بخصوص إفراطه في الشراب، وكنت أستفيد من لقطاته التي يأتي بها من مساحات بعيدة في التأمل في غابة الحواس الغائمة، بينما أتشبث بالوعي وكأنني ما زلت ذلك المراهق الذي يحلم بتغيير العالم، ومن بين فتوحاته الفكرية ورؤاه الثقافية جميعها، وجدت أكثرها طرافةً وعمقًا ما قاله عن السياسي اللبناني وليد جنبلاط.
أسأله: ما الذي يغريك في شخصيته؟ يسترسل قائلًا: ليس عليك أن تظن أن تناقضاته هي التي تثير إعجابي، أو هي الطبق الرئيسي في أحاديثه بالنسبة لي، هذه مسألة قديمة يمكن للهواة أن يرصدوها على سبيل التسلية، وأن يُعدّوا حتى معجمًا بتناقضاته الكثيرة مع السوريين والفلسطينيين والشيعة وذلك التأرجح بين التحالف والفتور والعداء، أما بالنسبة لي فالمسألة مختلفة، الرجل ينظر إلى شبح، عيناه تطالعانه ويمكن لو أمعنت النظر في حدقتيه أن ترى انعكاسه، ولكن لا أحد غيره يرى ذلك الشبح.
لدى وليد بيك وحده تلك الخبرة العميقة بالأشباح من صحبته الطويلة مع الشبح المديد القامة والحزين العينين كمال جنبلاط، الذي كان موته إيذانًا بانتهاء الحياة اللاهية
ثم أنظرُ إلى كتفيه الضيقتين، فهو يبدو منكمشًا مع أنه رجلٌ من أصحاب النفوذ، وأحد زعماء الطوائف وأمراء الحرب. وأي طائفة تلك التي يعتبر جنبلاط رأسها وقطبها؟ طائفةٌ مقاتلة بطبيعتها، تواجه التاريخ وظهرها إلى الحائط، طائفةٌ مستغرقة في العدم، أغلقت على نفسها باب الدعوة، ودخلت في انتحار تاريخي تدريجي بطيء، أو لنقل إنها لاعبت الموت على أرضه وراء تخوم الحياة الطبيعية والاعتيادية والروتين اليومي، فقيّدت نفسها إلى جداره وصعدت إلى مشنقته.
وليد بيك، يا صديقي هو زعيم الدروز، ومع ذلك يبدو مذعورًا في جلسته وغير مرتاحٍ إطلاقًا؛ حتى إنه يبدو وكأنه سيهرب فجأة من أمام المذيع الذي يحاوره. ستنتابه موجةٌ عارمةٌ من الفزع تجعله يركض خارج الأستوديو، لدرجة أنه لن ينزع عن نفسه الميكروفون المثبت في سترته. سيبدو المنظر هزليًا تمامًا وكرتونيًا إلى أبعد الحدود، تمامًا مثل الواقع اللبناني الذي يعرفه وليد بيك، ويكشفه بموروثه من الحكمة المعتقة التي ورثها عن والده كمال جنبلاط، ومع ذلك يصرُّ على أن يكون ذلك السادنَ والحارسَ الأمين للمعبد الذي تمثله السياسة في لبنان؛ وذلك هو تناقضه الكبير.
مثقفٌ وساخرٌ ولديه فهمٌ عميقٌ للمشرق وأزماته وورطاته التاريخية. وكان ياسر عرفات يعتبره شريكًا مثاليًا للأحاديث وألعاب المخيلة السياسية
لا أحد يصدقه، لأنه لا يصدق نفسه، ولكن الجميع يحتاج إلى أكاذيبه ذات الطبيعة الكيميائية، هل تعرف الكذبة الكيميائية؟
الكذبة عمليةٌ تقتضي الوصول إلى غايةٍ، مهمةٍ أو تافهةٍ، لا فرق كبيراً لدى صاحبها، ولكن الكذبة عند جنبلاط تفاعلٌ بين عناصر كثيرة من أجل صناعة الكأس المقدسة للنجاة بنفسه وطائفته وبلده، كذبة معقدة في عناصرها ومدخلاتها، وتحتاج إلى لعبة التحفيز والتثبيط. وهو يبدو وكأنه شاردٌ لأن العملية الكيميائية تجري في دماغه، وتكتمل متاهته لأن ذلك كله يصبح فعلًا آليًا مثل حواس طيور الحجل الحذر، فعيناه تبقيان منشغلتين عن محدثه أيًا يكن، وتائهتين مع الشبح غير المنظور الذي يترصده.
هل تعرف من هو الشبح؟ الجميع يعرفه بالمناسبة، ولا يحتاج الأمر سوى أدنى حدود الذكاء.
الشبح الذي يسكنه هو كمال جنبلاط.
لدى الدروز الكثير مما يقال حول الأرواح، ولكن لدى وليد بيك وحده تلك الخبرة العميقة بالأشباح من صحبته الطويلة مع الشبح المديد القامة والحزين العينين كمال جنبلاط، الذي كان موته إيذانًا بانتهاء الحياة اللاهية التي قضاها وليد فوق الدراجات الآلية يحاول أن يبحث عن وجوده الذي لم يكن سوى واحدٍ من ظلال وانعكاسات كمال جنبلاط.
قبل اغتياله كانت الخيوط قد تعقدت بين يدي كمال جنبلاط، وبد أت اللعبة بعد تل الزعتر تأخذ منحى آخر، ولا حلول طبقية يمكن أن يزعمها الحزب الاشتراكي ليقدمها إلى سائر اللبنانيين، لأنه ليس حزبًا لكل لبناني، بل حزب الزعيم الذي هو واحدٌ من بانثيون الزعامات في لبنان. ولا حلول طائفية يمكن أن تجعله يمضي في ترتيب ملفات العلاقة المضطربة بين الدروز والموارنة بأثر رجعي، لأن الأرواح وفي المذهب الدرزي نفسه، لا تحب الإقامة في الماضي، وتتوثب من قميص جسماني إلى آخر. وللأسف لا تخضع لسلاسل النسب وقوانين الوراثة، وإلا كانت تلبست روح كمال ابنه وليد بدلًا من أن يرثه ذلك الشبح الذي يحاوطه ويحاصره ويخنقه أحيانًا حتى تجحظ عيناه ضيقًا وفزعًا.
وليد بيك جنبلاط رجلٌ يحبُّه مُجالسوه في الكواليس، فهو - كما يصفونه - مثقفٌ وساخرٌ ولديه فهمٌ عميقٌ للمشرق وأزماته وورطاته التاريخية. وكان ياسر عرفات يعتبره شريكًا مثاليًا للأحاديث وألعاب المخيلة السياسية، وعرفات الذي يشبه عرافًا جوالًا عاش حياته في ترويض الأشباح ومراودتها وشرائها أحيانًا، كان يعرف أن وليد يخوض حربه مع الشبح الذي أرهقه طويلًا، والمتمثل في ذكرى والده. ولكن عرفات لم يكن لديه أي نيةٍ ليساعد شريكه ونده وخصمه، حسب الهوى والمرحلة، لأنه كان يستثمر في الصيغة التي أسسها كمال جنبلاط مع الوجود الفلسطيني في لبنان، في ذلك الحلم الفلسفي والطوباوي الذي صاغه متأملًا في أعالي التبت، وهي مكانٌ مختلفٌ بعمق وإلى أبعد الحدود وأصعبها، عن الحانات والأزقة البيروتية التي تسكع فيها ابنه طويلًا.
فهو البيك، والبيك بالنسبة للدرزي ليس مجرد رجل، هو رسالةٌ ووعدٌ في المرتبة الأولى، هو بالنسبة للدرزي ما يشكله موسى لليهود بعد وفاة كمال كان على وليد أن يتسلم التركة الثقيلة. عشرات الآلاف من الدروز المتبقين في لبنان في وسط حرب أهلية مستعرة تبدو من غير نهاية، أصبحوا أمانة لديه؛ فهو “البيك” وليس “الأب”. ولكن لَومَ البيك من موقع الأبوة المعممة والواسعة يمكن أن يكون مقبولًا ومطلوبًا. أما الأب فيمكن أن يتذرع بالعجز وقلة الحيلة وتكالب الحياة وظروفها عليه، البيك لا يمتلك هذه الخيارات ولا يمكن أن يعود خائبًا، هو الذي يذهب إلى بيروت ويراقص ذئابها. والدروز أهل للحدود القصوى والخيارات الصعبة، والدرزي يمكن أن يتلقى الهزيمة وأن تهشمه تمامًا، ولكنه لا يعترف بها.
رحلة جنبلاط هي تلك الرقصة التي لعله يجيدها من حياته في كنف زعامة أبيه ولهوه البيروتي القديم، من أجل أن يتملص من لحظة الاعتراف بالهزيمة وتغير الزمن وهامشية الطائفة أمام الطوائف الأخرى التي تنامت في أعدادها أو تسلمت وكالات من وراء الحدود الوطنية. ومع أنه يمتلك شيئًا من الاحترام بين قيادات الدول العربية والأجنبية، إلا أنه يعرف أنه لا يمتلك صفقةً ليعقدها، وكل تجواله محكومٌ بتجنب أن يذهب الدروز فرقًا في الحسابات القائمة في لبنان.
أسأل صديقي الذي تورط في متاهته التأملية إن كان يشعر بأنه أفرط في الشراب، وأعرضُ أن أوصله بسيارتي، فيتجاهل الأمر، ويرفض الاعتراف مثلما يفعل وليد بيك، ويستكمل حديثه وكأنه يلمح هو الآخر شبحًا معلقًا في الفراغ.
وليد بيك ليس جبانًا؛ البعض يتخيله هاربًا ومراوغًا ومناورًا، ولكن ذلك ليس جبنًا من الناحية النفسية، فالرجل الذي كان يسير كتفًا لكتف مع أمراء الحرب ومجانينها لا يمكن إلا أن يكون على قدرٍ معقولٍ من الجرأة والشجاعة، ولكنه يعيش تقاطعًا حادًا، يجعله حذرًا ومرتابًا، فهو البيك، والبيك بالنسبة للدرزي ليس مجرد رجل، هو رسالةٌ ووعدٌ في المرتبة الأولى، هو بالنسبة للدرزي ما يشكله موسى لليهود وهو واقف في اللحظات الحرجة على شاطئ البحر قبل أن يتلقى الإلهام بأن يلقي عصاه لينشق البحر أمام شعبه.
ولكن وليد بيك، يا صديقي، لا يملك العصا التي تشق البحر، ولم يكن يملك العصا التي تأكل الأفاعي في ساحة الزينة أمام فرعون! ولبنان بلدٌ لم يعرف الفرعون ولا السلطة التي يمكن أن تمنحه الهُدأة اللازمة ليتحقق بلدًا، والدروز ما زالوا يطاردون حديث الأرواح التي تهمس بصوت خفيض والجميع يدعي أنه يسمعها وينصت لها ويحمل رسائلها، ولكن الرسائل كثيرة ورأس البيك موزع بين العالم ما وراء الدروز وفوق رؤوسهم مهما حاولت التطاول للأفق، وبين العيون التي تطارد شبحه الخاص وجرحه النرجسي - بأن يكون وليد بيك الذي تمكن من قيادة سفينة الدروز لقرابة الخمسين عامًا - وبين وليد الابن والوريث لكمال جنبلاط وأناقته شكلًا وموضوعًا.
هل عرفت لماذا أرى فيه الشخص الجدير بمشاركتي لحظات ارتخاء الحواس؟ لأنه مثلي، يحاول أن يجد لحظةً بعيدةً عن التوتر ليحصل على هدأة تليق بالرجل العجوز الذي رأى كثيرًا. وكثيرًا ما تكون الحدقتان المتوثبتان حد الجحوظ تريان الهول أمامهما، وفي العمق، داخل الشخص الذي يحملهما نفسه. ولذلك أخمن أن وليد بيك لن يركض مذعورًا من الاستوديو، ولكنه سيقوم مثل شيخ جليلٍ بعد أن يشير بيديه لمحدثه ليطلب صمته، ويغادر بكل تعبٍ وازدراء.
