بُعيد ندوة في مجلس الشيوخ الفرنسي ناقشت الشأن اللبناني، نهاية عام 2024، سألتني شابة لبنانية مسيحية: “لماذا تعارضين حزب الله إن كان قد جلب النفوذ والامتيازات للطائفة الشيعية؟”. وقبل أن أكم ل، أوضح أنني أشير هنا إلى طائفتها من منطلق الواقع اللبناني الذي لا يمكن تجاوزه، إذ ينطلق سؤال الشابة أصلاً من نظرة الجماعات الطائفية في لبنان إلى بعضها بعضاً، وقد وُجّه إليّ انطلاقاً من تصنيفي ضمن هذه الجماعات؛ تصنيف لا يلتفت إلى أفكار الأفراد إلا عبر انتماءاتهم الأولية، ويفترض أن يحدّد هذا التصنيف أفكار الفرد وانتماءه السياسي، لا سيما في الحالة الشيعية، بحيث يصبح مستغرباً ألّا يحدث ذلك.
أجبتها ببساطة بأنني لا أرى أصلاً أن حزب الله جلب امتيازات للطائفة الشيعية في لبنان، بل رأيت كيف عسكر المجتمع الشيعي، وحوّل أفراده إلى مشاريع مقاتلين وشهداء يُقتلون في أي بقعة من العالم، ورأيت أنه يسير بنا نحو النكبة.
وإذا أردت أن أُكمل الإجابة هنا، فأقول إن معارضتي لهذا التنظيم، الذي انطلق باسم “الثورة الإسلامية في لبنان”، لم تبدأ من إدراك لدوره الإقليمي، بل بدأت من أضيق الأمكنة: من الذات. من استهدافه لي ولحقوقي كفتاة يريد أن يفرض عليها دوراً في المجتمع عبر ذكور عائلتها، وأن يسحق كيانها. ثم اتّسعت هذه المعارضة مع تصنيف الحزب الأفراد داخل المجتمع الواحد إلى درجات، تختلف حقوقهم بقدر قربهم منه وولائهم له.
عارضتُ “حزب الله” وحركة “أمل”، أنا وغيري ممّن كانوا ضدّ النظام الطائفي في لبنان وضدّ الفساد، لأنهما شكّلا الفاصل بيننا وبين الدولة التي نطمح إليها، وكنّا نأمل بأن يفعل مثلنا كلّ اللبنانيين، وينتفضوا على زعماء طوائفهم لنبلغ الدولة، إذ إن زعماء الطوائف لا يحقّقون لأفرادها ما يمكن أن تحقّقه دولة عادلة جامعة، عدا أنهم كانوا شركاء الحزب.
أتذكّر سؤال الشابة، التي كان أول ما تراه في طروحاتي انتمائي إلى عائلة شيعية، فيما لا يجد الحزب وأبواقه ما يُكملون به محاولة سلخنا عن مجتمعنا الذي نشأنا فيه، سوى التخوين واتهامنا بالحقد وكره الذات، لمجرد أننا نعارض مشروعه واسترخاصه الذات الشيعية.
وللأسف، بات هذا الخطاب يتكرر أيضاً لدى كثيرين ممّن وقفنا معهم في مواجهة الحزب وهيمنته، وصاروا يتناسون هم أيضاً من أين انطلقت معارضتهم لـ”حزب الله”.
نسي هؤلاء أن معارضتنا للحزب العقائدي نشأت من مبادئ حقوقية، ونبعت من حرقة على مجتمع يُقنَع فيه الطفل، منذ نعومة أظافره، بأن مستقبله الشهادة، وتُقنع فيه الطفلة بأن مستقبلها إنجاب الشهداء.
معارضتنا نبعت من رغبتنا في العيش داخل مجتمع متسامح. وكان المجتمع الشيعي اللبناني أكثر تسامحاً قبل هيمنة “حزب الله” على أبسط تفاصيله، وقبل أن يصبح التعبير عن المشاعر الطبيعية أمراً معيباً، يُصنَّف خيانةً ومدعاةً للتخوين.
واستذكار هذا السؤال، أي “لماذا تعارضين حزب الله”، مناسبة للردّ على من يطرح هذا السؤال أيضاً من أبناء الطائفة المؤيّدين للحزب، الذين يفترضون أيضاً أنه ما كان علينا سوى أن نسير في ركب الجماعة، وإن كان الطريق يقود إلى التهلكة، بل وكأنه يصبح واجباً علينا السير إلى التهلكة في ظلّ حرب إسرائيلية تمسح قرانا، وتهدّد بسحق المجتمع.
( المصدر: موقع درج)
