في السير الذاتية المنشورة للسفير الأميركي في بيروت، اللبناني الأصل، ميشال عيسى، لا يمكن العثور على سر صداقته الشخصية مع الرئيس دونالد ترامب، الذي عيّنه في هذا المن صب، برغم انه لا ينتمي الى شلة الأصدقاء “العقاريين” الذين وزعهم على مختلف حروب العالم للتوسط من أجل وقفها، من دون أي نجاح يذكر، كما لا ينتمي الى عصبة الاصدقاء اللبنانيي الأصل الذي صاهروا الرئيس الأميركي او ساندوه في ورطة مالية او شاركوه في فضيحة ما، فأصبحوا مبعوثيه الى تركيا وبلاد الشام مثل طوم باراك وافريقيا مثل بولس مسعد..
لكن ما يجمع السفير عيسى، رجل المال والاعمال وتجارة السيارات الألمانية، مع بقية المبعوثين الرئاسيين، هو انه مثلهم ليس دارساً ولا متبحراً في السياسة الدولية ولا في التاريخ، ولا حتى في الجغرافيا، وهو يحفظ صورة قديمة جداً عن لبنان، ولغة عربية ركيكة، ودراية محدودة بالدواخل والخوارج اللبنانية، بخلاف المبعوث بولس مسعد، الذي كان منصب السفارة في بيروت طموحه الاول، او المبعوث طوم باراك الذي اختار الاطلالة على لبنان من عاصمة الإمبراطورية العثمانية للسيرعلى أطلال معاهدة سايكس بيكو، متناسياً معاهدة سان ريمو التي أنشأت لبنان الكبير.. وما زالت تحفظ شرعيته الدولية.
البحث عن خلفية السفير عيسى ونفوذه في البيت الأبيض، وقربه من الرئيس الأميركي، مبني على سؤال ملحٍ حول مصدر تلك الفكرة الخرقاء التي أطلقها ترامب بدعوته الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى قمة ثلاثية في واشنطن، تسبق وقف النار والتفاوض والتوقيع على معاهدة سلام ما. وهي الفكرة التي لم يعرف حتى الآن مصدرها بالتحديد، ومن هو المبعوث او السفير او المقرب، اللبناني الأصل، الذي هَمَس في أذن ترامب وأقنعه، وما زال يحاول ان يقنعه، بجمع عون الذي لم يتردد برفض اللقاء، ونتنياهو الذي لم يأخذ الاقتراح على محمل الجد.
ترويج السفير عيسى للفكرة، ودفاعه عنها بالأمس في بكركي، يرجح كفة كونه أحد مصادر الفكرة، او الورطة التي لا يزال لبنان يحاول التخلص منها، بدليل استغرابه توصيف اللقاء المفترض بين عون ونتنياهو، بأنه تنازل او خسارة للبنان، وهو ما يعبر عن جهل ، وربما أكثر من جهل، في الأصول السياسية والدبلوماسية، وفي المعرفة الدقيقة بالوضع اللبناني الحرج بعد ثلاثة أعوام من الحرب، التي لا يستطيع أحد ان يزعم انها يمكن ان تنتهي بلقاء مجاملة في البيت الأبيض، يعرض فيها الرئيس اللبناني مطالبه على “البعبع” الإسرائيلي امام الرئيس ترامب الذي يتحول الى شاهد وميسر للمفاوضات في ما بعد، ويحاول الحصول من صديقه الأعز نتنياهو، على ما لم يستطع ان يحصله منه في أي من الحروب التي يخوضانها معا.
ولعل استخدام السفير عيسى كلمة “بعبع”، وهو إسم الدلع الذي كان يستخدم لتخويف الاطفال من الوحوش والحيوانات المفترسة، والذي قد لا يحبذ نتنياهو ربطه به، ينم أيضا عن سوء تقدير لشعور اللبنانيين جميعاً، وشعوب العالم قاطبة، تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بطل حروب الإبادة والدمار الشامل، الذي صار بالفعل شخصاً مخيفاً ومنبوذاً وملاحقاً أمام العدالة الدولية والمحلية في أكثر من عاصمة في العالم.. والذي لا يعرف الاميركيون أنفسهم حتى الان ما إذا كان دمية في يد ترامب أم العكس.
أما اقتراح السفير عيسى بان يفتش الذين أطلقوا الحملة المشينة على البطريرك بشارة الراعي، عن بلد آخر يعيشون فيه لبنان، بدلا من الدفع في اتجاه اعتقالهم ومحاكمتهم ومحاسبتهم من قبل الدولة اللبنانية، فإنه كلام لا يجوز ولا يحق ان يصدر عن أي دبلوماسي أميركي- لبناني الأصل، يتمتع بالحد الأدنى من العقل، ولا يصح ان تتسامح معه الدولة اللبنانية..حتى ولم يكن بمقدورها الآن ان تعلنه شخصاً غير مرغوب به في لبنان.
