هل يمكن أن تتوقف الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان، من دون أن تتوقف بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل؟ هذا ما تسعى إليه السلطة اللبنانية بذهابها إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية. ومن يدقق بالمطالب اللبنانية الخمسة يدرك أنّها شبيهة بتلك التي طالما جاهر بها الأمين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم.
تعتقد السلطة اللبنانية بأنها، في حال نجحت في الحصول على هذه المطالب التي تبدأ بتحرير الأرض والأسرى وصولًا إلى إعادة النازحين والإعمار، تسحب البساط التبريري من تحت أقدام “حزب الله” الذي بات يتمسك بسلاحه وتنظيمه العسكري على اعتباره السبيل الوحيد للتحرير الجديد، في ظل عجز الدبلوماسية عن تحقيق أي تقدم ملموس. وفي هذه الحال، يصبح ممكنًا تطبيق قرارات مجلس الوزراء الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وحدها، ولا سيما مع إطلاق عملية تسليح الجيش اللبناني وسائر المؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد.
في الواقع، تعمل السلطة اللبنانية على إقناع البيت الأبيض بمساعدتها على بلورة مشروع بديل يعطي للمفاوضات المباشرة أهميتها في لبنان عمومًا ولدى أبناء الطائفة الشيعية خصوصًا.
ولكن هل يمكن أن توافق إسرائيل على خارطة الطريق اللبنانية؟ بالطبع لا، فجلّ ما يمكن أن تُقدم عليه إسرائيل، في المرحلة الراهنة، وحتى تبلور خطة لبنانية لنزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته العسكرية، أن توافق على إحياء تفاهم مرحلي لوقف النار، مع إبقاء الحال على ما هي عليه، شرط أن يوقف “حزب الله” استهداف القوات الإسرائيلية ضمن “المنطقة الصفراء”، ويمتنع عن تعزيز قدراته شمال الخط الأصفر، مع تشديد الرقابة على تهريب الأسلحة والأموال.
ولا توحي المعطيات المتوافرة بأنّ البيت الأبيض سوف يدعم المطالب اللبنانية، إذ يعتبر أنّها ترجئ “أصل المشكلة”، أي نزع سلاح “حزب الله”، إلى مرحلة ثانوية، الأمر الذي يعيد لبنان إلى ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر.
ولا يبدو أنّ “حزب الله” سوف يلتزم بأي اتفاق جديد لوق ف النار يصدر عن الاجتماعين المقررين في واشنطن يومي 14 و15 أيار/ مايو الجاري، فهو يتعاطى مع المفاوضات المباشرة في واشنطن على أنها تواطؤ ضده وتهدف إلى النيل منه. يضع الحزب ثقته بالجمهورية الإسلامية في إيران، ويريدها هي أن تضع قواعد وقف الحرب، بحيث يبقى في الجبهة طالما لم يصدر توجه معاكس من إيران.
ويستفيد “حزب الله” في نهجه هذا من عدم استعداد السلطة اللبنانية لفتح مواجهة داخلية معه، ومن صمت بيئته – أقلّه في العلن – عمّا يلحق بها من أضرار، وقدرته الهائلة على تحمل الخسائر البشرية في صفوفه، وعدم تمكن الجيش الإسرائيلي بعد من إيجاد وسيلة تعينه على الاحتواء الكامل لمسيّرات الألياف الضوئية التي تُلحق الخسائر بالقوات الإسرائيلية المنتشرة في الجنوب وعلى الحدود.
لقد كشف الجواب الإيراني الأخير عن الورقة الأميركية، بوضوح، عن وحدة الحال بين إيران و”حزب الله” وسائر التنظيمات الموالية لها، وطلب أن يكون وقف الحرب متزامنًا، بحيث يسري على “الأذرع” ما يسري على إيران نفسها.
وتقدّم إيران تنظيمات “جبهة المقاومة” على قاعدة أنّها من أوراق قوتها في المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
ولهذا يعتقد كثيرون بأنّ أي تفاهم جديد لوقف إطلاق النار لن يؤتي ثماره، لأنّ الحزب سيبقى في السياق الإيراني، من جهة، ولن يتنازل للسلطة اللبنانية ويمكنها من أن تتفاوض عنه وعليه.
ولذلك، فإنّ أهم ما يمكن أن يخرج عن اجتماعي واشنطن سيكون التعهد الإسرائيلي، بضمانات أميركية، بعدم وجود أطماع إقليمية لإسرائيل في لبنان، وبأنها لن تبقى في أراضيه مطلقًا عندما تتأكد من خلوّه من سلاح “حزب الله”، وبأنها على استعداد لحل كل المشاكل العالقة بين البلدين عندما تتأكد من توفير الأمان الدائم لمستوطناتها في الشمال.
وبذلك، تقدم الإدارة الأميركية للسلطة اللبنانية، في المفاوضات المباشرة التي ترعاها، “سردية الفعالية”، وتربط النتائج الفعلية بنزع سلاح “حزب الله”.