فيديو يختصر هذه الافتتاحية، لمشاهدته يرجى النقر هنا
ثمة من يعتقد بأنّ الاغتيالات ذات الطابع السياسي سوف تعود إلى لبنان.
يؤسّس هؤلاء اعتقادهم على الأدبيات التي يتناوب “حزب الله” بدعم أو توجيه من إيران على اعتمادها في الآونة الأخيرة. هذا يذكّر المسؤولين اللبنانيين بمصير الرئيس رفيق الحريري، وذاك يربط بين منهج رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي اغتيل، وذياك يلجأ إلى التحقير الكاريكاتوري كما فعلت وكالة “تسنيم” الإيرانية شبه الرسمية عندما صورت رأس عون كما لو كان كرة يركلها الأميركي والإسرائيلي. والأمثلة أكثر من القدرة على إحصائها.
وعليه، هل يعود لبنان إلى المشهد الإجرامي الذي كان قد افتتح أبرز مواسمه في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٠٤ بمحاولة اغتيال الوزير السابق النائب مروان حماده، مفتتحًا المواجهة مع القرار ١٥٥٩ الصادر عن مجلس الأمن الدولي قبل شهر واحد من ذاك الحدث الإرهابي؟
التمهيد الاحتمالي
قد يكون “حزب الله” بكل أبعاده الداخلية والإقليمية، يمر بفترة أصعب من تلك التي هزته في خريف العام ٢٠٠٤، مع صدور القرار ١٥٥٩ عن مجلس الأمن الدولي والذي يقضي بانسحاب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح الميليشيات الحليفة له، يتقدمها الحزب، بطبيعة الحال.
مهّد “محور الممانعة” حينها بتهديد وتحقير الشخصيات اللبنانية المؤيّدة للقرار، سواء في مرحلة العمل لإصداره أو لاحقًا في مرحلة الجهد لتنفيذه. وعندما وجد أنّ عملية التمهيد فشلت، انتقل إلى مرحلة تنفيذ التهديدات، ودخل لبنان منذ الأول من أكتوبر ٢٠٠٤ حتى تاريخ إهمال جميع المؤثرين في صناعة القرار اللبناني للقرار ١٥٥٩ ورضوخه لوجوب حذفه عن الألسن والورق والبيانات.
عمليًّا، لم يتوقف مسلسل الاغتيالات إلّا يوم سجل المحور انتصارًا كاسحًا على التحالف الداعم والمؤيّد للقرار ١٥٥٩.
وهذا يفيد بأنّ “محور الممانعة” قد تُغريه العودة إلى السيناريو الناجح الذي كان قد اعتمده في تلك المرحلة.
وتأسيسًا على هذا المنطق، قد يجد البعض أنّ الهجوم اللفظي والكلامي والسياسي حاليًا، إذا لم يردع السلطة اللبنانية عن الذهاب إلى حيث يرفض “حزب الله” ووراءه الإيراني، فإنّ المحور قد يعتمد مجددًا “آلية الردع الإرهابية” المتمثلة بتفجيرات واغتيالات ووضع قوائم سوداء!
نقاط ضعف السيناريو الترهيبي
ولكن في مقابل مستشرفي المستقبل الوشيك بالاستناد إلى الأمس القريب، قد يجد “محور الممانعة”، بالاستناد إلى مصادر أخرى، نقاط ضعف كثيرة تحول دون عودته إلى هذا السيناريو، على اعتبار أنّ ظروف الأمس لا تتطابق مع الظروف الحالية!
في المرحلة السابقة، كان الممسكون بالدولة ومؤسساتها يخشون التغيير الكبير الذي يحمله القرار ١٥٥٩، بحيث يكونون هم ضحاياه، مما يخسّرهم نفوذهم ومكتسباتهم، فتواطأوا، بكل ما يملكون من قدرات، مع المخطط المرسوم، وقدموا له كل ما يلزم من دعم، سواء بتوفير المعلومات للقائمين به أو بإخفاء المعطيات عن المستهدفين به.
ومن حيث المبدأ، لا وجود، في هذه المرحلة، لمتضررين من التغيير المنشود. العكس قد يكون هو الصحيح، راهنًا!
في تلك المرحلة كان النظام السوري شريكًا كامل المواصفات في صناعة السيناريو الترهيبي وصاحب مصلحة مثبتة فيه. وعليه كان يتبادل الخدمات مع “المحور”. حاليًا، النظام السوري الجديد انتقل إلى ضفة مناقضة تمامًا للنظام السابق، وبات ما يفيد “المحور” يضيره، وما يضعف “المحور” يقويه.
والأهم أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران كانت تدير خيوط اللعبة بحيث تحقق مكتسبات تحميها من التورط المباشر في الحرب. في هذه المرحلة، كل شيء اختلف، فطهران تفتش عن مخارج من حرب مباشرة معها وعليها، وهاجسها الحد من الخسائر، وليس التورط في توسيع رقعة النيل منها، في ظل مسعى إسرائيلي إلى إسقاط النظام!
وبالنسبة إلى “حزب الله” نفسه، فهو، ولو احتفظ بالقدرة اللسانية على التهديد، إلّا أنّه بات يفتقر إلى الثقة بقدرته على حفظ أسراره، إذ إنّ المخابرات الإسرائيلية باتت وكأنّها تعيش في غرف صناعة القرار، وتاليًا فانكشاف أمر ما يمكن أن يقدم عليه بسرعة فائقة، يمكن أن يقلب سحر السيناريو الترهيبي ضده!
كان “محور الممانعة”، في مواجهة التحديات الكبيرة التي واجهها بدءًا من العام ٢٠٠٤، يملك الأجوبة عن الأسئلة الشائكة، وواثقًا بقدرته على فرض وجهة نظره على صانعي القرار في الإقليم والمجتمع الدولي، وبالتالي كان إضعاف اللاعبين الداخليين المناهضين له منتجًا لمفاعيله، ولكنه حاليًا ليس هنا على الإطلاق، فهذه المرة، يلعب ضده الخارج قبل الداخل، ورأسه مطلوب من الخارج أكثر من الداخل، والضغط التغييري العنيف لا ينبع من إرادة الداخل بل من شروط الخارج، وعجز الداخل عن تحقيق الأهداف المرسومة سوف يفسح المجال للخارج ليقوم بنفسه بكل ذلك!
وبناءً عليه، فإنّ سيناريو مواجهة القرار ١٥٥٩ يصلح للذكرى ولا يصلح للتنفيذ!