لم يكن الرفض الذي صدر تباعاً من طهران ثم من “حزب الله” للإعلان المنبثق عن الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن مفاجئاً. الجديد لم يكن في الرفض نفسه، بل في السرعة التي صدر بها، وفي الرسالة السياسية التي حملها: قرار لبنان الاستراتيجي ما زال موضع نزاع بين الدولة اللبنانية من جهة والمحور الإقليمي الذي تقوده إيران من جهة أخرى.
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، بدا أن مساراً تفاوضياً يتشكل خارج الحسابات العسكرية اليومية، ويطرح رؤية متكاملة تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت نحو معالجة أصل المشكلة التي أبقت الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للحروب المتعاقبة. فالطرح الذي خرج من واشنطن لم يقتصر على وقف الأعمال ا لعدائية، بل تضمن خطوات عملية تتصل بانتشار الجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة، وإخلاء جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي، والانتقال التدريجي إلى واقع أمني جديد يمنع العودة إلى الحرب.
هنا تحديداً يكمن جوهر الاعتراض الإيراني. فالمسألة لا تتعلق بموعد وقف النار أو بشروطه التقنية، بل بمستقبل الدور الذي يؤديه “حزب الله” داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية. أي مسار يفضي إلى تكريس احتكار الدولة للسلاح يعني عملياً انتقال لبنان من مرحلة ازدواجية القرار الأمني والعسكري إلى مرحلة الدولة الواحدة، وهو تحول يتجاوز الحدود اللبنانية ليصيب جوهر النفوذ الإيراني في المشرق.
من هذه الزاوية يمكن فهم الاستعجال الإيراني في إعلان الموقف قبل أن تتبلور النقاشات الداخلية اللبنانية. وكأن المطلوب كان توجيه رسالة واضحة بأن الملف اللبناني لا يزال جزءاً من الحسابات الإقليمية الكبرى، وأن أي محاولة لفصله عن هذه الحسابات ستواجه بالرفض.
في المقابل، بدا الموقف الرسمي اللبناني أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالكلام الصادر عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا يعكس مجرد رغبة في التوصل إلى هدنة جديدة، بل يعبر عن اقتناع متزايد داخل مؤسسات الدولة بأن استمرار الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن الجنوب يدفع يومياً ثمن التأخير في تنفيذ ما التزم به لبنان منذ سنوات بموجب القرارات الدولية واتفاق الطائف.
السؤال الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم ليس ما إذا كان الاتفاق المقترح مثالياً أو خالياً من العيوب. فكل التسويات الكبرى تحمل تنازلات ومخاطر. السؤال هو ما إذا كانت البدائل المطروحة أفضل منه. ماذا يعني إسقاط فرصة جديدة لوقف النار؟ وما الذي ينتظر الجنوب إذا استمرت المعادلة الحالية؟ وهل يملك لبنان ترف البقاء رهينة حرب مفتوحة ومواجهة لا يملك قرار إنهائها؟
الواقع أن البلاد تقف أمام مفترق حاسم. هناك طريق يقود إلى تعزيز سلطة الدولة واستعادة القرار الوطني وفتح الباب أمام إعادة الاستقرار والإعمار. وهناك طريق آخر يبقي لبنان أسيراً لصراعات المنطقة، ويجعل مصيره مرتبطاً بحسابات تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.
بين هذين الخيارين، لم تعد المسألة مجرد خلاف سياسي حول تفاوض أو اتفاق. إنها معركة على هوية الدولة نفسها: هل تكون المرجعية النهائية في السلم والحرب للمؤسسات اللبنانية المنتخبة، أم تبقى موزعة بين الدولة والمحاور الإقليمية؟