التخوين المتبادل في لبنان ليس وليد الأحداث الكبرى، بل هو عادة سياسية متجذرة في بنية الانقسام الوطني.
واليوم، ومع توصل لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، إلى “إطار ثلاثي” يهدف، في آن واحد، إلى تحرير ما أعيد احتلاله من الأراضي اللبنانية ونزع سلاح “حزب الله” الذي يطلق على نفسه صفة “المقاومة”، عاد التخوين ليتربع على قمة المشهد الوطني. “حزب الله” والملحقون به يتهمون السلطة ومؤيديها بالتآمر والخضوع والتنازل والخيانة. وفي المقابل، تتهم السلطة اللبنانية ومؤيدوها الحزب بأنه ذراع إيرانية تضحي بلبنان وأرضه وشعبه خدمةً للجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي.
وفي ظل توازن الردع الداخلي، ترسم القوى المتبادلة ال اتهامات خطوط تماس سياسية وإعلامية، وتتراشق بما تملك من أسلحة لفظية وصواريخ جدلية، من دون أن ينجح أي فريق في تحقيق تقدم حاسم على الآخر.
ولا غرابة في ذلك. فحين يغيب الطرف القادر على الحسم، تتحول الأزمات إلى حالة دائمة. فالخيانة ليست وجهة نظر، بل تهمة. والسلطة ليست منبراً للجدل، بل مسؤولية تنفيذية. أما القرار، فلا يصنعه التصفيق ولا الشعارات، بل أدوات التنفيذ. وهنا تكمن المشكلة اللبنانية.
فـ”حزب الله” عاجز عن الحسم، فيكتفي بإثارة البلبلة وإدارة السجال، تماماً كما عجز عن تحقيق الانتصار العسكري الذي وعد به، فلجأ إلى إعادة تعريف مفاهيم النصر والهزيمة بما يناسب الوقائع الجديدة.
أما السلطة اللبنانية، فلا تبدو أفضل حالاً. فهي أدمنت إطلاق الوعود التي تعجز عن تنفيذها. وعلى الرغم من تبدل المعطيات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة، ما زالت تتعهد بما لا تملك القدرة الفعلية على إنجازه.
هذه هي حالها منذ صدور القرار 1701 عام 2006، مروراً بتفاهم وقف الأعمال العدائية عام 2024، وصولاً إلى اليوم. ففي الخامس من آب/أغسطس الماضي، تعهدت السلطة بإنجاز نزع سلاح “حزب الله” قبل نهاية عام 2025، وانقضت المهلة من دون تنفيذ. وفي الثاني من آذار/مارس الماضي، كلفت الحكومة الجيش اللبناني والأجهزة الأ منية بمصادرة سلاح الحزب، وتوقيف كل من يحوزه أو ينقله أو يجمعه أو يستخدمه، لكن القرار بقي حبراً على ورق، شأنه شأن كثير من القرارات السابقة.
والمفارقة أن الطرفين يعيشان على الزمن الضائع. فـ”حزب الله” يراهن على تبدل موازين القوى الإقليمية، فيما تراهن السلطة على ضغوط خارجية قد تعفيها من اتخاذ القرار الصعب. وبين الرهانين، يبقى لبنان معلقاً بين دولة لا تمارس كامل سلطتها، وتنظيم لم يعد قادراً على فرض معادلته القديمة. وهكذا، تتبادل السلطة و”حزب الله” الحملات السياسية والإعلامية، فيما يبقى الفراغ هو المنتصر الوحيد.
من المستفيد من هذا المشهد؟
إسرائيل، بطبيعة الحال، لكنها ليست وحدها. فإيران تستفيد أيضاً. إسرائيل معنية بسلاح “حزب الله” لأنه يشكل تهديداً مباشراً لها، أما إيران فتتعامل مع هذا السلاح باعتباره ورقة ضغط ومقايضة وأداة لتوسيع نفوذها الإقليمي. ومشكلة اللبنانيين مع السلطة و”حزب الله” أنهما تحولا، عملياً، إلى وجهين لعجز واحد. فعجزهما عن الحسم، كل من موقعه، يجعل لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ويحول اللبنانيين إلى وقود في معارك لا قرار لهم فيها ولا مصلحة لهم بها.
لذلك، قد يبدو السؤال عن الجهة القادرة على الحسم سؤالاً في غير مكانه. فالتجربة ا للبنانية، الممتدة على عقود، تفرض سؤالاً آخر أكثر واقعية: من هي الجهة القادرة على استغلال لبنان واللبنانيين؟
على امتداد العقود الماضية، تصارعت القوى اللبنانية، بينما كانت القوى الخارجية هي التي تحصد النتائج.
وحتى اليوم، وعلى الرغم من كل التحولات الجيوسياسية التي أعادت رسم خرائط النفوذ في المنطقة، لا يزال لبنان يفتح شهية اللاعبين الإقليميين والدوليين للاستثمار في ضعفه.
ومن يدقق في تفاصيل الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى لبنان عموماً وطرابلس خصوصاً، يدرك أن المنطقة تتحرك بسرعة، فيما لا يزال لبنان يدور في الحلقة نفسها.
المأساة اللبنانية لم تعد في الانقسام وحده، بل في العجز المزمن عن إنتاج دولة تمتلك قرارها.
وكلما طال هذا العجز، ازداد عدد الراغبين في استثمار لبنان، وتحول اللبنانيون أكثر فأكثر إلى مادة خام في مشاريع الآخرين.