"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

إيران والخليج ولبنان… سياسة أميركية بثلاثة مسارات

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأربعاء، 1 يوليو 2026

في أقل من أسبوع، رسمت واشنطن ثلاث صور مختلفة لسياستها في الشرق الأوسط.

الصورة الأولى كانت مذكرة التفاهم مع إيران، التي ركزت على وقف الحرب وخفض التصعيد، من دون أن تتطرق بوضوح إلى ملفات طالما اعتبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج جوهر المشكلة مع طهران، وفي مقدمها برنامج الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، ودعم التنظيمات المسلحة.

الصورة الثانية جاءت من المنامة، حيث شارك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اجتماع مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي. والبيان الذي صدر عن الاجتماع بدا وكأنه يعيد التذكير بكل ما غاب عن مذكرة التفاهم مع إيران. فقد شدد على حرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفض أي محاولة للسيطرة عليه، وربط أي انفتاح على إيران بوقف سلوكها المزعزع للاستقرار، كما أكد ضرورة نزع سلاح حزب الله وحصرية الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

جوهر هذه الافتتاحية بالصوت والصورة

أما الصورة الثالثة، فجاءت مع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الذي أعاد الدولة اللبنانية إلى مركز المعادلة الأمنية، وأسس لمرحلة جديدة عنوانها تنفيذ ترتيبات تقوم، في جوهرها، على تعزيز دور المؤسسات الشرعية.

للوهلة الأولى، يبدو أن هناك تناقضًا.

فكيف تفاوض واشنطن إيران، ثم تعود لتتبنى، بعد أيام قليلة، وثيقة تتناول معظم القضايا التي لم تتضمنها مذكرة التفاهم؟ وكيف يمكن الجمع بين الانفتاح على طهران ورعاية اتفاق يبدو، عمليًا، موجهًا لتقليص نفوذها في لبنان؟

قد يكون التفسير الأبسط هو وجود تباينات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب. لكن ثمة قراءة أخرى ربما تكون أكثر عمقًا.

فمن اللافت أن الملفين لم يُدارا بالطريقة نفسها. المسار المباشر مع إيران ارتبط بصورة واضحة بنائب الرئيس جيه دي فانس، الذي برز خلال الأشهر الأخيرة بوصفه أحد أبرز المدافعين عن إنهاء الحرب عبر التفاوض. أما المسار الخليجي واللبناني، فقد ظهر فيه وزير الخارجية ماركو روبيو في الواجهة، سواء في إعلان المنامة أو في متابعة الترتيبات التي انتهت إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.

قد يكون ذلك مجرد توزيع إداري للملفات، لكنه قد يعكس أيضًا اختلافًا في المقاربة.

فجيه دي فانس لا يمثل مجرد نائب للرئيس، بل يعبر عن تيار صاعد داخل الحزب الجمهوري، ينطلق من فكرة أن الولايات المتحدة دفعت أثمانًا باهظة في حروب الشرق الأوسط، وأن أولويتها يجب أن تكون إنهاء النزاعات، وتقليص الانخراط العسكري، والتفرغ للمنافسة مع الصين وإعادة ترتيب الداخل الأميركي. ومن هذا المنطلق، يصبح التفاوض مع إيران وسيلة لمنع حرب جديدة، وليس تعبيرًا عن تقارب سياسي معها.

في المقابل، ينتمي ماركو روبيو إلى المدرسة الجمهورية الأكثر تقليدية في السياسة الخارجية، التي ترى أن التفاوض مع الخصوم لا ينبغي أن يتحول إلى اعتراف بنفوذهم الإقليمي، وأن استقرار الشرق الأوسط يمر عبر ردع إيران، وتعزيز التحالفات العربية، ودعم الدولة الوطنية في مواجهة التنظيمات المسلحة. غير أن العنصر الأكثر أهمية ربما لا يكمن في الاختلاف بين الرجلين، بل في إعلان المنامة نفسه.

فالبيان لم يكن مجرد إعلان سياسي عابر، بل بدا وكأنه يعيد إدراج البنود التي غابت عن مذكرة التفاهم مع إيران. فهو أعاد التأكيد على البرنامج الصاروخي، والطائرات المسيّرة، ودعم الجماعات المسلحة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، كما وضع لبنان في قلب رؤية تقوم على حصرية الدولة ونزع سلاح حزب الله.

وليس من السهل اعتبار هذا مجرد تفصيل دبلوماسي. فإما أن إعلان المنامة جاء لسد الفراغ الذي تركته مذكرة التفاهم، وإما أنه جاء ليرسم حدودها، بحيث لا يُفهم الانفتاح على طهران على أنه قبول بأدوارها الإقليمية.

وهنا يكتسب اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل معنى مختلفًا. فقد لا يكون الاتفاق ردًا على التفاهم مع إيران، كما قد يذهب بعض المحللين، بل ربما يكون المرحلة التالية له.

فالولايات المتحدة احتاجت إلى التفاهم مع إيران من أجل وقف الحرب ومنع توسعها. لكنها احتاجت، في الوقت نفسه، إلى إعادة رسم قواعد المرحلة التي تلي الحرب. وإذا صح هذا التوصيف، فإن التفاهم مع طهران لا يمنحها دورًا دائمًا في لبنان، بل يحمّلها مسؤولية المساهمة في منع التصعيد، فيما تتولى الدولة اللبنانية، بدعم عربي وأميركي، إدارة المرحلة الجديدة.

بهذا المعنى، لا يعود اتفاق الإطار وإعلان المنامة نقيضين لمذكرة التفاهم، بل يصبحان وثيقتين تحددان سقفها السياسي والاستراتيجي.

ويبقى السؤال الأهم: أين يقف الرئيس دونالد ترامب من كل ذلك؟

من الصعب تصنيف ترامب ضمن أي من المدرستين. فهو لم يكن يومًا صاحب عقيدة ثابتة في السياسة الخارجية، بقدر ما كان رئيسًا براغماتيًا يستخدم أكثر من مقاربة لتحقيق أهدافه. يريد إنهاء الحروب، لكنه لا يريد أن يبدو متراجعًا. يريد تخفيف الأعباء العسكرية، لكنه لا يريد أن يترك فراغًا تملؤه إيران أو غيرها. ولذلك قد لا يكون توزيع الملفات بين فانس وروبيو تعبيرًا عن انقسام داخل الإدارة، بقدر ما يكون محاولة للجمع بين هدفين: إنهاء الحرب أولًا، ثم إعادة تشكيل التوازنات التي ستليها.

لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت واشنطن تتناقض مع نفسها.

السؤال الأهم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تنفذ سياسة متعددة المراحل: تفاوض إيران لإنهاء الحرب، ثم ترسم عبر إعلان المنامة واتفاق الإطار حدود النظام الإقليمي الذي سيليها. إذا كانت هذه هي الاستراتيجية، فإن لبنان لن يكون مجرد ساحة لتطبيق اتفاق جديد، بل سيصبح المكان الذي سيختبر فيه نجاح أو فشل السياسة الأميركية بأكملها.

المقال السابق
نتنياهو وكاتس: لا انسحاب من جنوب لبنان… وإيران تحت التهديد
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

اتفاق أميركي طويل… والجمهور ينتظر النهاية

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية