"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

بهيج طبارة… الرجل الذي علّمني أن أكون نفسي

رئيس التحرير: فارس خشّان
الجمعة، 26 يونيو 2026

أترك السياسة والمصادر والمعلومات والمخططات والمفاوضات والتفاهمات، لأكتب عن بهيج طبارة الذي كان، عن حق، أوّل أساتذتي في هذه الحياة، قبل أن تفصل بيننا الظروف والتوجهات والانتماءات والجغرافيا، وإن بقيت القلوب والذاكرة والنوستالجيا تجمعنا!

مع رحيل بهيج طبارة، عادت جزئية جوهرية من حياتي إلى البال! عادت سنوات طويلة عشتها معه، بصفة مستشار، عندما كان منخرطًا في العمل السياسي، بدايةً إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن ثم - ولفترة - إلى جانب الرئيس سعد الحريري! كنتُ لما التقيت ببهيج طبارة لا أزال في مقتبل العمر، وكان هو يقترب من الدخول في عامه الستين.

أحب فيّ «البلدوزر» - كما كان يقول -: لا أتعب، لا أشكو، لا أُحابي، ولا أسكت!

أحببتُ فيه أناقته، نظافة لسانه ومظهره، عناده المزيّن بهدوء، وإقدامه المحبوك بحكمة.

بسرعة، اختارني معاونًا له. أعطاني صفة مستشار، ولكنني في الواقع كنت معاونًا. من أنّى لي، في ذاك الزمان، أن أُقدم استشارات؟

تحوّل إلى أستاذ لي. كان يعلّمني، بالممارسة اليومية، كيف أكتب عنه وله.

مرةً كان مضطرًا لإلقاء خطاب، ولم يكن لديه ما يكفي من وقت ليكتبه. طلب مني أن أفعل؛ أن أُجهّز له مسودة خطاب. فعلت. وعندما قرأه، نظر إليّ نظرة أستاذ جامعي، وقال لي: خطاب جميل، ولكنّه غير صالح.

استغربت الإشادة والرفض في تعليق مقتضب جدًا، وأنا الذي كنتُ، بركاكة التجربة، أظن نفسي جبران خليل جبران عصره!

شرح لي ما لم أعد أنساه يومًا، وحاولت كثيرًا أن أنقله إلى كثيرين: هذا الخطاب جميل لو كنتَ أنتَ سوف تلقيه، ولكنّه لا يصلح أن أُلقيه أنا. هل تريدون أن يقولوا: اسمعوا بهيج طبارة يلقي خطاب فارس خشّان؟

كان هذا درسي الأساسي في الحياة العملية والسياسية والكتابية، وحتى في سلوكياتي الذاتية وفهمي لسلوك الآخرين.

مزقنا مسودة الخطاب معًا، وعدت إلى مكتبي، وأعدت كتابة الخطاب، على أساس المعادلة التي أفهمني إيّاها! هذه المعادلة غيّرت الكثير في حياتي، وفي منهجي التحليلي، وفي استقراء الناس والتطورات.

وحين دقّت ساعة الفراق، كانت هذه المعادلة تجمعنا. كان يستحيل عليّ في حينه أن أذهب معه إلى حيث يريد أن يكون، في السياسة، وفي تقييم الزعماء، وفي استشراف المستقبل، لأنّ ما يريد أن ينتهجه يشبه بهيج طبارة ولا يشبهني أبدًا. لم أكن أريد أن تكون حياتي رجع صدى لآرائه، على الرغم من تعلقي الأبوي به! حاولتُ كثيرًا أن أثنيه عن الذهاب إلى حيث قرر أن يكون. مارستُ عليه ضغوطًا كثيرة. أدخلت على الخط أصدقاء مشتركين. رفعتُ الصوت في حضرة من تسببوا بقراره. جعلتُ بعضهم يعتذرون منه ويراضونه! لكنه لم يقتنع. كان ينظر إلى أسباب الشكوى الجوهرية التي كوّنها، ويرى أن الألسن المعسولة لا تتواءم مع السلوك المستقر!

لا تكتب لي خطابًا يشبهك أنت؛ اكتب خطابًا يشبهني أنا!

ولحظة الفراق، قال لي: هل تذكر أوّل خطاب كتبته لي؟ أومأت برأسي إيجابًا، فتابع: منذ أسبوعين، وأنت تكرر الخطأ نفسه. فعلتَ كل شيء وفق ما يناسبك أنتَ، وإذا وافقت فلن أكون بهيج طبارة، بل أنت.

ذهب هو إلى المساحة التي تناسبه. وبقيت أنا في المساحة التي تناسبني.

لم يكن مخطئا في تشخيصه لنفسه ولموقعه. ولم أكن مخطئا أيضا. كان هو يتناغم مع نفسه، وكنت أنا كذلك!

ولاحقًا، حين كان عليّ أن أختار دربي الجديد، في ضوء الخلاصات التي توصلتُ إليها، حصل معي ما حصل معه، ولكنني، استرشادًا بمعادلته، ذهبت إلى المكان الذي يناسبني.

المكان الذي يناسبك، وفق مدرسة بهيج طبارة، هو المكان الذي تحترم فيه نفسك عندما تقف أمام المرآة، لا المكان الذي تجمع فيه مالًا، وتحظى فيه بنفوذ. لا المكان الذي تنال فيه حظوة، وتجني منه مكسبًا. لا المكان الذي يصنع لك شعبية أو يحجز لك مقعدًا في النجومية. هو مكان أهم من ذلك كله؛ هو المكان الذي تحترم فيه نفسك!

مع رحيل بهيج طبارة، عادت إليّ جزئية من تكوين وجداني السلوكي!

في غابر الأيام، كتبت، بإشرافه، تجربتي وبهيج طبارة في وزارة العدل. في سيرتي الذاتية، لم يغب يومًا بهيج طبارة. الآن، أخطّ هذه الكلمات. لا أُرثيه. لا أقيّمه. لا أبكيه. لا أتحسّر عليه. لا أستعيد كلمات جوفاء تتكرر عند رحيل أيٍّ كان، حيث الكلمات لا تتبدل، فقط أسماء من تُقال فيهم. جلّ ما أفعله الآن أنني أحاول، في يوم مماته، أن أبقيه حيًّا في درس واحد من دروسه التي صنعت جزءًا من شخصيتي!

شكرًا بهيج طبارة. مات جسدك، ولكن أنتَ ستبقى حيًّا في وجداني ما حييت!

نشر أيضا في “النهار”

المقال السابق
ترامب يتهم إيران بخرق اتفاق وقف إطلاق النار: هاجمت سفناً في مضيق هرمز بأربع مسيّرات
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

حين ضاق الخناق على درة التاج… كشفت إيران المستور

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية