"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

ليس كل ما يُقال عن سوريا في لبنان يلامس الحقيقة

رئيس التحرير: فارس خشّان
الجمعة، 3 يوليو 2026

هذه الافتتاحية بالصوت والصورة

يجانب الحقيقة كل من يعتبر أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان جاءت منفصلة عن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، أو أنها شكلت رداً عليها أو محاولة للالتفاف عليها. فالربط بين الحدثين ليس مجرد اجتهاد سياسي، بل يفرضه تسلسل الوقائع وتبدل موازين القوى في المنطقة. كان ترامب قد كشف أنه طلب من الرئيس السوري أحمد الشرع أن يساعد في معالجة ملف حزب الله في لبنان، وأنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه سيكلف الرئيس السوري بهذا الدور. ومنذ تلك اللحظة، انشغل الوسطان السياسي والإعلامي في لبنان بتفسير طبيعة هذا الطلب: هل المقصود عودة الجيش السوري إلى لبنان؟ أم أن المطلوب دور سياسي وأمني من نوع مختلف؟ في هذا المناخ جاءت زيارة الشيباني، ولذلك اكتسبت أهمية استثنائية. الجميع راقب برنامجها بدقة: من سيزور؟ وأين سيتوقف؟ وما هي الرسائل التي سيحملها؟ وقد جاءت الإجابات مدروسة. زار الرؤساء الثلاثة باعتبارهم المرجعيات الدستورية للدولة اللبنانية، ووقّع اتفاقاً جديداً ينظم العلاقات اللبنانية – السورية ويطوي عملياً صفحة المجلس الأعلى اللبناني السوري الذي ارتبط بمرحلة الوصاية السورية في عهد نظام الأسد. ثم انتقل إلى الصروح السياسية والروحية، فزار حزب الكتائب، وبكركي ودار الفتوى، والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، كما خصّ طرابلس بمحطة ذات دلالة سياسية وشعبية، في اعتراف ضمني بالتقارب التاريخي بين سوريا و”طرابلس الشام” التي احتضنت بقوة ثورة سورية أوصلت أحمد الشرع إلى السلطة. كثيرون قرأوا هذه الجولة باعتبارها نفياً عملياً لكلام ترامب. لكن القراءة الأدق ربما تقود إلى استنتاج معاكس تماماً. فسوريا لم تأتِ لتقول إنها سترسل جيشها إلى لبنان، لكنها جاءت لتؤكد أنها تعتبر نفسها معنية مباشرة بالملف اللبناني. وهي تقول بوضوح إن الأمن السوري والأمن اللبناني مترابطان، وإن استقرار البلدين أصبح مصلحة مشتركة، وإن حماية الحدود ومنع تهريب السلاح ومنع استخدام الأراضي السورية لإعادة بناء شبكات النفوذ الإيراني هي جزء من مسؤوليتها الوطنية. بهذا المعنى، لم ترفض دمشق الطلب الأميركي، لكنها أعادت تعريف طريقة تنفيذه. فبدلاً من الدخول العسكري، اختارت الدخول السياسي والدبلوماسي. وبدلاً من فرض الوقائع بالقوة، بدأت في بناء شبكة من العلاقات مع المكونات اللبنانية التي تلتقي على مجموعة من الثوابت: الدولة هي المرجعية الوحيدة، لا مكان لأي تنظيم مسلح خارج مؤسساتها، ولا عودة للنفوذ الإيراني الذي حكم لبنان لعقود عبر حزب الله. زيارة الشيباني لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل كانت رسالة احتضان لهذه القوى، ورسالة دعم للدولة اللبنانية، ورسالة بأن سوريا الجديدة على مسافة صداقة مع كل أعداء سلاح “حزب الله” وداعمي إقامة دولة سيّدة، وهي ترى في الدولة اللبنانية الشريك الطبيعي والضروري. والرسالة الأهم ربما كانت ضمنية. فإذا قرر حزب الله، لأي سبب كان، العودة إلى استخدام أدوات التخوين أو الترهيب أو فرض الوقائع بالقوة أو الانقلاب على المسار الذي يسير فيه لبنان، فإن البيئة الإقليمية لم تعد كما كانت. فسوريا التي كانت تشكل الظهير الاستراتيجي للحزب تحولت اليوم إلى داعم لاستقرار الدولة اللبنانية، وإلى شريك في حماية الحدود وتجفيف مصادر تسليح التنظيمات المسلحة، وإلى عنصر تنسيق مع القوى اللبنانية التي تتمسك بسيادة الدولة. لهذا السبب، فإن قراءة الزيارة على أنها رفض لطلب ترامب تبدو قراءة ناقصة. الأدق أنها تنفيذ مختلف لهذا الطلب. تنفيذ يعتمد الدبلوماسية بدل القوة، والشراكة بدل الوصاية، والسياسة بدل الدبابات. لقد انتهى زمن دخول الجيش السوري إلى لبنان، لكن ذلك لا يعني أن سوريا خرجت من المعادلة اللبنانية. على العكس، إنها تعود إليها بطريقة مختلفة تماماً: دولة تتعامل مع دولة، وشريك يسعى إلى الاستقرار، لا نظام يصنع موازين القوى عبر الميليشيات. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: سوريا لم تدخل لبنان عسكرياً، لكنها دخلته سياسياً، وربما يكون هذا الدخول أكثر تأثيراً وأطول عمراً من أي حضور عسكري عرفه اللبنانيون في العقود الماضية.

المقال السابق
إصابة جندي إسرائيلي بجروح خطيرة في اشتباك مع مسلح في جنوب لبنان
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

إيران والخليج ولبنان… سياسة أميركية بثلاثة مسارات

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية