"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

قصة اسمها الجيش اللبناني!

رئيس التحرير: فارس خشّان
الاثنين، 13 يوليو 2026

فجأة، أصبح الجميع مستعجلًا.

اللبنانيون يريدون من الجيش أن يبسط، فورًا، سلطة الدولة، وأن يحصر السلاح، وأن يحمي الحدود، وأن يمنع إسرائيل، وأن يطمئن الداخل، وأن ينفذ القرارات الدولية.

العرب يريدون جيشًا قادرًا على الإمساك بلبنان وإعادته نهائيًا إلى الدولة.

المجتمع الدولي يريد نتائج سريعة، وانتشارًا أسرع، وسلاحًا واحدًا، وسلطة واحدة.

وإسرائيل، من جهتها، تقول إنها لن تنتظر طويلًا، وتريد ضمانات أمنية ووقائع على الأرض.

أما الجيش اللبناني، فمطلوب منه أن يلحق بكل هؤلاء.

لكن أحدًا لا يتوقف طويلًا أمام السؤال الأبسط والأكثر إحراجًا: هل جرى أصلًا إعداد الجيش اللبناني ليكون قادرًا على السير بهذه السرعة؟

الجواب، بكل صراحة، هو: لا.

ليس لأن الجيش لا يريد. وليس لأن ضباطه وجنوده يرفضون القيام بواجباتهم. بل لأن الجميع يطلبون اليوم من مؤسسة لم يجهزوها لهذه اللحظة أن تنجز، خلال أشهر وربما أسابيع، ما عجزت الدولة اللبنانية عن إنجازه خلال عقود.

وهنا تبدأ قصة اسمها الجيش اللبناني.

لكل طرف في لبنان جيشه المتخيَّل.

هناك من يريد جيشًا يدخل اليوم إلى كل مكان ويجمع كل قطعة سلاح خارج الدولة.

وهناك من يريده جيشًا يحمي «المقاومة» ولا يقترب من سلاحها.

وهناك من يريده جيشًا يواجه إسرائيل، مهما كان ميزان القوى.

وهناك من يريده جيشًا يطبق القرارات الدولية بحذافيرها.

وهناك من يريده جيشًا يحفظ الأمن من دون أن يوقف أحدًا، ويفرض القانون من دون أن يصطدم بأحد، ويحصر السلاح من دون أن تقع مواجهة، ويحمي الحدود من دون أن يمتلك القدرات العسكرية اللازمة لذلك.

كل طرف يريد الجيش على مقاس أمنيته السياسية.

لكن المفارقة أن هؤلاء جميعًا لم يبنوا الجيش القادر على تحقيق هذه الأمنيات.

لم يجهزوه عسكريًا بما يكفي.

لم يمنحوه، طوال عقود، احتكارًا فعليًا للسلاح.

لم يبنوا حوله إجماعًا سياسيًا على مفهوم الدولة والسيادة والحرب والسلم.

لم يؤمّنوا له اقتصادًا قادرًا على تمويله.

ولم يضعوا بين يديه استراتيجية دفاعية واضحة تحدد ماذا يريد لبنان منه، وكيف يمكنه أن يفعل ما يُطلب منه.

ثم، فجأة، يريد الجميع النتائج.

الجيش لا يسير بسرعة السياسة

السياسة تستطيع أن تتخذ قرارًا في جلسة.

يمكن إصدار بيان في ساعات.

يمكن لموفد دولي أن يحدد مهلة.

ويمكن لعاصمة إقليمية أو دولية أن تطالب بنتائج فورية.

لكن الجيوش لا تعمل بهذه الطريقة.

نشر آلاف الجنود يحتاج إلى عديد وتجهيز وقيادة واتصالات ونقل وإمداد واستخبارات وغطاء سياسي.

ضبط مساحة جغرافية يحتاج إلى وجود دائم، لا إلى دوريات عابرة.

جمع السلاح ليس شعارًا، بل عملية أمنية وعسكرية وسياسية شديدة التعقيد.

والانتقال من واقع استمر عقودًا إلى واقع جديد لا يحصل بمجرد أن يتفق السياسيون على أن الوقت قد حان.

هناك فجوة اليوم بين سرعة المطالب وقدرة الجيش على التنفيذ.

وهذه الفجوة هي التي يتجاهلها كثيرون.

المطالب اللبنانية والإقليمية والدولية تتسارع، فيما يحاول الجيش أن يتحرك بالإمكانات المتاحة له، لا بالإمكانات التي يتخيل الآخرون أنه يمتلكها.

ولماذا يتجنب الصدام؟

هنا تنهال الانتقادات.

لماذا لا يدخل؟

لماذا لا يداهم؟

لماذا لا يحسم؟

لماذا لا يستخدم القوة؟

أسئلة تبدو بسيطة على الشاشات، لكنها ليست بسيطة عندما يكون مطلوبًا من الجيش أن يترجمها على الأرض.

فالجيش اللبناني لا يعمل في أرض غريبة، بل بين أهله.

وأي صدام داخلي واسع لا يبقى عملية أمنية معزولة. ففي بلد مثل لبنان، يمكن لرصاصة واحدة في المكان الخطأ أن تتحول إلى أزمة طائفية أو سياسية، ويمكن لمواجهة محدودة أن تفتح جروحًا لم تلتئم أصلًا منذ الحرب الأهلية.

لذلك يتصرف الجيش، في كثير من الأحيان، بحذر شديد.

وقد يبدو هذا الحذر، بالنسبة إلى منتقديه، بطئًا أو ترددًا أو ضعفًا.

لكن السؤال هو: هل المطلوب من الجيش أن ينجز المهمة بأي ثمن، ولو كان الثمن انفجارًا داخليًا؟

تجنب الصدام ليس دائمًا عجزًا.

أحيانًا يكون جزءًا من المهمة نفسها.

فالجيش المطلوب منه بسط سلطة الدولة هو، في الوقت نفسه، الجيش المطلوب منه منع انهيار السلم الأهلي. والمهمتان قد تتعارضان في لحظة معينة.

قد يكون استخدام القوة الطريق الأسرع إلى تنفيذ أمر ما، لكنه قد يكون أيضًا الطريق الأسرع إلى فتنة تجعل تنفيذ كل الأوامر الأخرى مستحيلًا.

وهنا تكمن إحدى أصعب معضلات الجيش اللبناني:

كيف يفرض سلطة الدولة من دون أن يهدم الدولة التي يُطلب منه حمايتها؟

هذا لا يعني أن كل تردد مبرر.

ولا يعني أن الخوف من الصدام يجب أن يتحول إلى ذريعة دائمة لعدم تنفيذ القانون.

فإذا أصبح تجنب المواجهة قاعدة مطلقة، يصبح الطرف الأكثر قدرة على التهديد بالصدام هو الطرف القادر على تعطيل الدولة.

وهذا خطر لا يقل عن خطر المواجهة نفسها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الجيش ليس الاختيار بين «القوة» و«الضعف»، بل معرفة متى يكون التدرج حكمة، ومتى يصبح التردد عجزًا، ومتى يكون تجنب الصدام حماية للسلم الأهلي، ومتى يتحول إلى تكريس للأمر الواقع.

وهذه ليست مسؤولية الجيش وحده.

إنها، قبل كل شيء، مسؤولية السلطة السياسية.

فالجيش لا يجب أن يُترك وحيدًا ليقرر في مسائل بهذا الحجم.

من السهل أن نقول للجيش: انتشر.

لكن كم عدد الجنود المطلوبين؟

من السهل أن نقول له: اضبط الحدود.

لكن بأي أجهزة مراقبة، وبأي طائرات، وبأي قدرات تقنية؟

من السهل أن نقول له: احمِ لبنان.

لكن بأي دفاع جوي؟

من السهل أن نقول له: احتكر السلاح.

لكن أين الإجماع السياسي الذي يحميه إذا تحولت عملية نزع السلاح إلى أزمة داخلية؟

ومن السهل جدًا أن نطلب منه أن يكون جيش دولة قوية.

لكن أين هي الدولة القوية؟

هذه هي المفارقة الكبرى.

لسنوات طويلة، عاش الجيش أزمة تمويل وتجهيز ورواتب. واحتاج إلى مساعدات خارجية لتأمين جزء من حاجاته الأساسية. وفي مرحلة الانهيار المالي، أصبح صمود العسكري في خدمته إنجازًا بحد ذاته.

ثم تغيرت الظروف.

وأصبح المطلوب من هذا الجيش نفسه أن يؤدي، بسرعة قياسية، دور المؤسسة العسكرية لدولة مكتملة السيادة والقدرات.

لكن لا يمكن اختصار عقود من الإهمال بقرار سياسي واحد.

ثمة وهم لبناني قديم بأن الجيش يستطيع، إذا أراد، حل كل شيء.

إذا تعطلت السياسة: الجيش.

إذا انفجر الشارع: الجيش.

إذا فشلت القوى الأمنية: الجيش.

إذا تعثرت الدولة في الجنوب: الجيش.

إذا طُرح ملف السلاح: الجيش.

إذا حصل خلاف على الحدود: الجيش.

وإذا فشل الجميع، يُسأل الجيش لماذا لم ينجح.

لكن الجيش ليس عصًا سحرية. ولا يمكن تحميل المؤسسة العسكرية نتائج فشل النظام السياسي بكامله.

الجيش يستطيع تنفيذ قرار الدولة. لكنه لا يستطيع اختراع الدولة.

يستطيع الانتشار. لكنه لا يستطيع وحده صناعة إجماع وطني.

يستطيع فرض الأمن في مكان. لكنه لا يستطيع حل النزاعات السياسية التي تنتج انعدام الأمن.

ويستطيع حمل السلاح باسم الدولة. لكنه لا يستطيع وحده إقناع جميع اللبنانيين بأن الدولة يجب أن تكون صاحبة السلاح الوحيد.

هذه مهمة سياسية قبل أن تكون عسكرية.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: هل الجيش قادر؟

بل أيضًا: هل أعددنا الجيش ليكون قادرًا؟ هل بنينا له القدرات التي تناسب المهمات التي نطلبها منه؟ هل أعطيناه الوقت؟ هل وفرنا له الغطاء السياسي؟ هل اتفقنا أصلًا على ما نريده منه؟ وهل نحن مستعدون لتحمل نتائج القرارات التي نطالبه بتنفيذها؟

من الظلم أن نطالب الجيش بسرعة لا يملك أدواتها.

ومن الخطأ، في المقابل، أن نستخدم نقص الإمكانات ذريعة لإبقاء الواقع على حاله إلى ما لا نهاية.

المطلوب، إذًا، ليس تخفيف المهمات عن الجيش، بل بناء الجيش على حجم المهمات.

إذا كان المطلوب منه أن يبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، فيجب توفير العدد والعتاد والتمويل.

إذا كان المطلوب منه ضبط الحدود، فيجب منحه التكنولوجيا والقدرات اللازمة.

إذا كان المطلوب منه أن يكون القوة المسلحة الوحيدة، فيجب أن تقف السلطة السياسية كلها خلف هذا القرار.

لا تطلبوا منه أن يكون ما لم تسمحوا له بأن يصبح

هذه، ربما، هي خلاصة قصة الجيش اللبناني.

الجميع يريده اليوم في مكان ما.

اللبنانيون يريدونه أقوى.

الدولة تريده أن يتحمل مسؤولياتها.

العرب يريدونه ضمانة لاستقرار لبنان.

المجتمع الدولي يريده شريكًا قادرًا على تنفيذ الالتزامات.

وحتى منتقدوه يريدونه أن يتحرك أسرع.

لكن الجميع تقريبًا ينسون أنهم يطلبون اليوم حصاد ما لم يزرعوه بالأمس.

لم يُبنَ الجيش طوال العقود الماضية ليكون القوة الوحيدة بلا منازع.

لم يُجهز لخوض كل هذه المهمات في وقت واحد.

لم تُعطَ له دائمًا الكلمة الفصل في الأمن والسيادة.

ولم تكن الدولة نفسها متفقة على الدور الذي تريده له.

ثم جاء زمن الاستحقاق، وأصبح الجميع ينظرون إلى الساعة.

أسرعوا.

انتشروا.

اضبطوا.

اجمعوا السلاح.

احموا الحدود.

تجنبوا الحرب.

ولا تثيروا صدامًا داخليًا.

كل ذلك في الوقت نفسه.

ربما ينجح الجيش في الوصول إلى المكان الذي يريده الجميع.

وربما يحتاج إلى وقت أطول مما يريد الجميع.

لكن المؤكد أن المشكلة ليست فقط في سرعة الجيش.

المشكلة أن المطالب ركضت فجأة إلى الأمام، فيما يحمل الجيش على ظهره عقودًا من تردد الدولة وإهمالها وانقساماتها.

ولهذا، قبل أن نسأل كل يوم:

لماذا لم يصل الجيش بعد؟

ربما علينا أن نسأل أنفسنا:

متى بدأنا أصلًا بإعداده للوصول؟

نشر أيضا في موقع “نقطة وأوّل السطر”

المقال السابق
بريطانيا تعلن حظر الحرس الثوري الإيراني
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

لبنان: العجز الذي يغذي التخوين

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية