لم يعد الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل مشروعًا تفاوضيًا مؤجل التنفيذ، بل أصبح واقعًا ميدانيًا يخضع لأول اختبار عملي. فالإعلان الأميركي عن انطلاق المرحلة التجريبية في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، تزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي بدء مشروع “المنطقة الآمنة” بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) والجيش اللبناني، فيما أعلن الجيش اللبناني استعداده للانتشار في زوطر الغربية فور انسحاب القوات الإسرائيلية منها. وبين هذه الإعلانات الثلاثة، بدا وكأن الجميع يتحدث عن المشروع نفسه، لكن ليس بالمعنى نفسه.
وجاء هذا التطور في توقيت سياسي بالغ الحساسية، بالتزامن مع لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون في البيت الأبيض، في أول اختبار سياسي كبير للاتفاق الذي رعته واشنطن. فالولايات المتحدة أرادت أن تقدم المرحلة التجريبية باعتبارها بداية تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار، فيما سعى عون إلى تثبيت معادلة واضحة: يبدأ التنفيذ بانسحاب إسرائيلي فعلي، يتبعه انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضوره بدعم أميركي.
غير أن القراءة الإسرائيلية للمشروع تختلف جذريًا. فتل أبيب لا تتحدث عن بداية انسحاب، بل عن مرحلة اختبار. اختبار لقدرة الجيش اللبناني على فرض سلطته، واختبار لقدرة الدولة اللبنانية على منع عودة حزب الله إلى المناطق الحدودية، واختبار لفاعلية آلية الرقابة التي تقودها الولايات المتحدة. أما الانسحاب، فلا يزال في المنظور الإسرائيلي خطوة مشروطة، لا التزامًا نهائيًا.
ويتضح هذا التباين في التفاصيل. فالجيش اللبناني أعلن أن انتشاره في زوطر الغربية ينتظر فقط انسحاب القوات الإسرائيلية، بينما تؤكد مصادر عسكرية إسرائيلية أن إعادة الانتشار ستكون محدودة، مع الإبقاء على السيطرة بالنيران ووسائل الاستطلاع، واستمرار تمركز القوات في زوطر الشرقية ومحيط الشقيف، مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرية العمل العسكري ضد أي تهديد يقدره بنفسه.
ولا تقف الشروط الإسرائيلية عند حدود الجنوب. فالمؤسسة العسكرية في تل أبيب تربط مستقبل الاتفاق كله بالسياق الإقليمي. فوفق تقديراتها، فإن أي مواجهة جديدة مع إيران ستنعكس مباشرة على الجبهة اللبنانية، ما يعني أن قرار الانسحاب قد لا يتوقف فقط على أداء الجيش اللبناني، بل أيضًا على تطورات الصراع بين واشنطن وطهران. وهكذا، يصبح تنفيذ اتفاق لبناني – إسرائيلي رهينة حسابات تتجاوز الطرفين معًا.
وتضيف إسرائيل إلى هذه المعادلة ملفين تعتبرهما غير محسومين: الأول يتعلق بما تقول إنه استمرار وجود عناصر من حزب الله في مرتفعات علي الطاهر، والثاني بالبنية العسكرية التي اكتشفتها في الجنوب، والتي لم تقرر بعد ما إذا كانت ستدمرها أو ستسلمها إلى الجيش اللبناني. وفي الحالتين، تمنح هذه الملفات إسرائيل مبررًا للإبقاء على وجودها العسكري إلى حين اعتبارها أن البيئة الأمنية أصبحت “ملائمة”.
وهنا تكمن المفارقة التي قد تحدد مصير الاتفاق كله. فلبنان ينظر إلى “المناطق النموذجية” باعتبارها بداية الانسحاب، بينما تنظر إليها إسرائيل باعتبارها بداية الاختبار. لبنان يعتبر أن إنهاء الاحتلال هو الشرط الذي يسمح للدولة ببسط سلطتها الكاملة، فيما تعتبر إسرائيل أن بسط هذه السلطة يجب أن يسبق أي انسحاب واسع. وبين المنطقين، لا يدور الخلاف حول الخرائط أو المواعيد فقط، بل حول تعريف الاتفاق نفسه: هل هو اتفاق لإنهاء الاحتلال، أم آلية لإدارة المخاطر الأمنية؟
ولذلك، لن يكون الامتحان الحقيقي في البيانات الأميركية أو الإسرائيلية، ولا في الاجتماعات التي تعقدها لجان التنسيق، بل في أول خطوة ميدانية فعلية. فإذا انسحبت إسرائيل من أول منطقة نموذجية وانتشر الجيش اللبناني مكانها، يمكن القول إن الاتفاق دخل مسار التنفيذ. أما إذا بقيت المرحلة التجريبية مفتوحة بلا جدول زمني واضح، واستمر الانسحاب خاضعًا للتقدير الأمني الإسرائيلي وحده، فإن الاتفاق قد يتحول إلى نموذج جديد لاتفاقات لا تنقصها النصوص، بل الإرادة السياسية لتنفيذها.
فالسؤال لم يعد: هل بدأ تنفيذ الاتفاق؟ بل: من يملك قرار استكماله؟ واشنطن، أم بيروت، أم أن الكلمة الأخيرة ستبقى للتقدير الأمني الإسرائيلي؟