منذ سنوات، لم يكن الخلاف بين لبنان وإسرائيل يدور حول خرائط الحدود فقط، بل حول تعريف الأمن نفسه. واليوم، يبدو أن الاتفاق الإطاري الذي رعته الولايات المتحدة أعاد إنتاج هذا الخلاف بصيغة أكثر تعقيدًا: لبنان يقرأه بوصفه مسارًا يبدأ بانسحاب إسرائيلي تدريجي، يفتح الباب أمام بسط سلطة الدولة على كامل الجنوب، فيما تقرأه إسرائيل باعتباره آلية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على إزالة ما تعتبره مصادر تهديد قبل أي انسحاب واسع.
وهنا تكمن المفارقة التي قد تحدد مصير الاتفاق كله.
في روما، تحدث المسؤولون الأميركيون عن تقدم في المفاوضات الخاصة بـ”المناطق النموذجية”، واعتبروا أن الاجتماعات وضعت إطارًا تقنيًا لبدء تنفيذ الاتفاق. وفي المقابل، كشفت تقديرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، كما أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية، أن الجيش لا ينوي الانسحاب من مواقعه الحالية في المدى المنظور، وأن أي خطوة من هذا النوع ستظل مرتبطة باستكمال ترتيبات أمنية يراها ضرورية، وبالتطورات الإقليمية، ولا سيما احتمال اندلاع مواجهة مع إيران.
هذا التباين ليس مجرد اختلاف في آليات التنفيذ، بل يعكس اختلافًا في فلسفة الاتفاق نفسها.
فلبنان ينطلق من مبدأ أن الاحتلال يجب أن ينتهي أولًا كي تتمكن الدولة من تثبيت سلطتها الكاملة عبر الجيش اللبناني. أما إسرائيل، فتنطلق من فرضية معاكسة: لن ننسحب إلا بعد التأكد من أن البيئة الأمنية تغيّرت بالكامل، وأن ما تعتبره بنى عسكرية أو مصادر تهديد لم يعد قائمًا. وبين المنطقين مساحة واسعة قد تتحول إلى منطقة فراغ سياسي وأمني.
وتزداد الصورة تعقيدًا عندما تربط إسرائيل تنفيذ الاتفاق بسياق إقليمي أوسع. فبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن أي مواجهة مع إيران ستنعكس مباشرة على الجبهة اللبنانية، ما يعني أن مستقبل الانسحاب لم يعد مرتبطًا فقط بما يجري جنوب الليطاني، بل أيضًا بمسار الصراع بين واشنطن وطهران. وإذا صح هذا التقدير، فإن تنفيذ الاتفاق يصبح رهينة حسابات إقليمية تتجاوز لبنان نفسه.
من هنا يمكن فهم أهمية زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، وإصراره خلال لقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن يبدأ تنفيذ الاتفاق بإنجاز أول انسحاب إسرائيلي من “المنطقة النموذجية الأولى”، بالتوازي مع تعزيز الدعم الأميركي للجيش اللبناني. فالدولة اللبنانية تدرك أن أي مسار تفاوضي لن يكتسب صدقية داخلية إذا لم يقترن بخطوة إسرائيلية ملموسة تثبت أن الاتفاق ليس مجرد التزامات مفروضة على لبنان وحده.
في المقابل، تبدو الرسالة الأميركية مزدوجة. فمن جهة، تؤكد واشنطن دعمها للدولة اللبنانية ولمؤسساتها العسكرية، وتعتبر أن تنفيذ الاتفاق يشكل مدخلًا إلى الاستقرار. ومن جهة أخرى، تربط هذا المسار باستكمال بسط سلطة الدولة ونزع سلاح حزب الله، وهو ما يجعل نجاح الاتفاق مرتبطًا أيضًا بملفات داخلية شديدة التعقيد، لا تقل حساسية عن التحديات الأمنية على الحدود.
وهنا يبرز السؤال الذي لم تجب عنه البيانات الرسمية حتى الآن: ماذا لو نفذ لبنان التزاماته، بينما رأت إسرائيل أن شروطها الأمنية لم تكتمل بعد؟ فالحديث عن انسحاب “تدريجي” من دون جدول زمني واضح، ومن دون آلية ملزمة لتقييم التنفيذ، يمنح الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية هامشًا واسعًا لتأجيل أي انسحاب كلما تبدلت الظروف أو تبدلت التقديرات.
لهذا، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في البيانات الصادرة عن روما أو واشنطن، بل في أول انسحاب فعلي على الأرض. فإذا تحقق، سيكون مؤشرًا إلى أن الاتفاق قابل للحياة. أما إذا بقي مؤجلًا تحت عنوان “الظروف الأمنية”، فإن “المناطق النموذجية” قد تتحول إلى نموذج جديد لاتفاقات لا تنقصها النصوص، بل الإرادة السياسية لتنفيذها.
في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كان الاتفاق قائمًا، بل من يملك قرار تنفيذه. هل هو الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، أم التقدير الأمني الإسرائيلي الذي يحدد وحده متى تصبح الظروف “مناسبة” للانسحاب؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الجنوب اللبناني، بل ستكشف أيضًا ما إذا كان الاتفاق الإطاري يشكل بداية مسار نحو الاستقرار، أم مجرد هدنة مفتوحة تُدار وفق موازين القوة أكثر مما تُحكم بنصوص الاتفاقات.