لم تعد المسألة مجرد غارة إسرائيلية هنا أو تهديد هناك. ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز، تدريجياً، حدود “الردود المتبادلة” ويدخل في سياق مشروع أوسع: إعادة رسم الجغرافيا الأمنية والسياسية للجنوب بالقوة، ولو على حساب تهجير مدن كاملة ودفع البيئة الشيعية إلى أثمان كارثية.
حين طلب الجيش الإسرائيلي من أهالي النبطية النزوح إلى شمال نهر الزهراني، لم يكن يوجه إنذاراً تقنياً مرتبطاً بغارات موضعية. كان يعلن، عملياً، أن المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني باتت في نظره ساحة حرب مفتوحة، وأن النبطية نفسها دخلت دائرة المدن المهددة بالتدمير أو الاحتلال أو كليهما.
هذا التطور لم يأتِ فجأة. فمنذ أشهر، ترتفع في إسرائيل الأصوات المطالبة باحتلال النبطية وإلحاقها بـ”المدى المدمر”، باعتبارها جزءاً من البنية الخلفية لـحزب الله ومركزاً لوجستياً وبشرياً داعماً له. واليوم، يبدو أن هذه التهديدات بدأت تتحول من خطاب سياسي وعسكري إلى وقائع ميدانية.
في الحسابات الإسرائيلية، الهدف واضح: إبعاد المسيّرات المفخخة عن مستوطنات الشمال، وضرب مخازن الحزب ومنصاته ومراكز تزويده الخلفية، وخلق عمق أمني جديد بالقوة. لكن بين السطور، هناك هدف آخر لا يقل خطورة: إنهاك البيئة الشيعية التي تُدفع، مرة جديدة، لتحمل أثمان حرب لا تملك وحدها قرارها ولا قدرة الخروج منها.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية الأعمق. فالجنوب، والضاحية، والبقاع، يتحولون تدريجياً إلى مساحة استنزاف مفتوحة: تهجير، تدمير، انهيار اقتصادي، وخوف دائم من توسع رقعة النار. وليس خافياً أن المخاوف بدأت تمتد أيضاً إلى صور، التي قد تصبح بدورها هدفاً لاحقاً للأسباب العسكرية نفسها المرتبطة بالبنية اللوجستية للحزب.
ومع ذلك، لا يبدو أن إسرائيل حسمت بعد سقف التصعيد النهائي. فالتوسع الكبير في العمليات أو تثبيت احتلال أوسع قد يبقى مرتبطاً بنتائج الاجتماعات المرتقبة بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي في 29 أيار، والتي ستشكل مدخلاً أساسياً للاجتماعات الدبلوما سية والسياسية في 2 و3 حزيران المقبلين.
واضح أن إسرائيل تستخدم التهديد بالنار والتهجير كأداة ضغط على لبنان لدفعه نحو تعاون أمني وسياسي أكبر. لكن المشكلة أن لبنان، المنقسم والمأزوم، يدرك في المقابل أن أي انخراط مباشر أو تعاون معلن مع إسرائيل قد يفجر الداخل اللبناني نفسه، سياسياً وطائفياً وأمنياً.
هكذا يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاتلة: إذا رفض الضغوط الإسرائيلية، يواجه خطر التدمير والتوسع العسكري. وإذا ذهب بعيداً في التعاون، يواجه خطر الانفجار الداخلي.
بين الليطاني والزهراني، لا تُرسم فقط خرائط نار جديدة. ما يُرسم أيضاً هو مستقبل جنوب كامل يُدفع شيئاً فشيئاً إلى الخراب، فيما الدولة تبدو عاجزة، والحزب متمسك بخياراته، وإسرائيل تتقدم خطوة بعد أخرى نحو فرض واقع جديد بالقوة.