لم يعد السؤال في لبنان ماذا يريد اللبنانيون، ولا ماذا يريد الجنوب الذي يدفع الثمن كل يوم، بل ماذا تريد طهران ومتى تقرر. فكلما اقتربت فرصة لوقف النار، عاد حزب الله ليؤكد، بالفعل قبل القول، أن القرار ليس لبنانياً، وأن مصير الحرب والسلم لا يزال معلقاً على حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية.
اليوم تعود الضاحية الجنوبية إلى الواجهة. ليست كعنوان سياسي أو معقل حزبي فحسب، بل كهدف عسكري معلن. إسرائيل أعلنت صراحة عودتها إلى استهداف الضاحية بعد أسابيع من الامتناع النسبي عن ذلك بطلب أميركي. ومع هذا الإعلان، يعود شبح المشهد الذي عرفه اللبنانيون مراراً: نزوح جماعي، طرقات مكتظة بالهاربين، وقلق من إعادة إدخال الضاحية في المعادلة التدميرية المفتوحة.
المفارقة أن ما كان يُقدَّم لسنوات على أنه مصدر حماية للضاحية وسكانها، بات يقودها مرة جديدة إلى دائرة الخطر نفسها. فبدلاً من إخراج البيئة الحاضنة من دائرة الاستهداف، تجد هذه البيئة نفسها مرة أخرى في قلب المواجهة. وبدلاً من تحييد العاصمة عن الحرب، تعود أجزاء منها إلى بنك الأهداف العسكرية.
وفي الوقت الذي كانت واشنطن تحاول تمرير صيغة بسيطة لوقف التصعيد، تقوم على وقف الهجمات مقابل وقف التوسع العسكري الإسرائيلي، بدا المشهد اللبناني وكأنه يدور في حلقة مفرغة. فبدلاً من التقاط فرصة تمنع المزيد من الدمار في الجنوب والضاحية معاً، عاد منطق الانتظار ليسود: انتظار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وانتظار ما ستسفر عنه حسابات طهران، وانتظار اللحظة التي تقرر فيها القيادة الإيرانية أن الساحة اللبنانية استنفدت وظيفتها التفاوضية.
المشكلة أن هذا الانتظار لا يدفع ثمنه الإيرانيون. لا تُقصف أحياء طهران، ولا يُطلب من سكانها إخلاء منازلهم، ولا تعود ضواحيها إلى دائرة النار. الذي يدفع الثمن هو اللبناني. هو ابن الجنوب الذي خسر أرضه، وابن الضاحية الذي يخشى خسارة منزله، والمواطن الذي يجد نفسه مرة جديدة رهينة حرب لا يملك قرارها.
والمفارقة الأكثر قسوة أن الحزب الذي تأسس أصلاً على نقد التجربة الفلسطينية في لبنان، عاد ليسير في الطريق نفسه الذي كان يحذر منه. فقد كان يقول إن تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض إقليمية خطأ قاتل، وإن استجلاب الردود الإسرائيلية إلى القرى الجنوبية ليس استراتيجية تحرير. لكنه اليوم يجد نفسه أمام النتيجة ذاتها: الجنوب تحت النار، والضاحية تعود إلى دائرة الاستهداف، وإسرائيل تتقدم إلى مواقع كانت قد انسحبت منها قبل خمسة وعشرين عاماً.
أما المشهد الأكثر غرابة فيتمثل في الأداء السياسي المواكب للحرب. فكلما طُرحت مبادرة لوقف النار، يخرج رئيس مجلس النواب نبيه بري بصياغات لغوية تلتف حول المشكلة من دون أن تلامس جوهرها. يضمن وقف النار من جهة، لكنه يعجز عن فرضه. يتحدث باسم المقاومة حيناً وباسم الدولة حيناً آخر، لكنه لا يقدم جواباً على السؤال الأساسي: إذا كان قادراً على ضمان التهدئة، فلماذا لا تحصل؟ وإذا لم يكن قادراً، فما قيمة الضمانات التي يعلنها؟
يبدو بري كمن يحاول إدارة انهيار الوقائع بالكلمات. يناقش من يطلق النار أولاً، بينما المشكلة الحقيقية أن النار مشتعلة أصلاً. ويتجادل حول ترتيب الخطوات، فيما تتغير الخريطة الميدانية يوماً بعد يوم.
وفي هذه الأثناء، تتوسع العمليات العسكرية، وتعود الضاحية إلى واجهة الاستهداف، ويتقدم الجيش الإسرائيلي ميدانياً، فيما يكتفي المسؤولون اللبنانيون بإدارة سجال لغوي لا يوقف غارة ولا يمنع نزوحاً ولا يحمي منزلاً.
وبين الضاحية التي تعود إلى بنك الأهداف، والجنوب الذي يعود إلى ساحات التوغل الإسرائيلي، يبدو لبنان وكأنه يُدار بمنطق الانتظار لا بمنطق القرار. انتظار ما ستقوله طهران، وانتظار ما ستنتجه المفاوضات، وانتظار ما ستسمح به موازين القوى الإقليمية. أما اللبنانيون، فلا يُطلب منهم سوى دفع الفاتورة. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن الأرض تُقصف، والناس تنزح، والوقائع تتغير، فيما أصحاب القرار الفعلي ما زالوا يتصرفون وكأن الوقت يعمل لمصلحتهم، لا لمصلحة إسرائيل التي تفرض كل يوم واقعاً جديداً بالنار.