منذ نجحت إسرائيل في فرض تفوّقها العسكري والتكنولوجي، في الميدان، في ردها المفتوح على انتكاستها في السابع من أكتوبر 2023، سادت سردية “هزيمتنا” في تلك الكيانات التي أُنسيت ذاتياتها على مذابح الصراعات المفتوحة!
ولكن هل “هزمتنا” إسرائيل فعلًا؟
حتى تصح مناقشة هذا السؤال، لا بد من أن نحدد، بادئ ذي بدء، من تكون هذه “النحن”: هل نحن لبنان، مثلًا؟
حتى نكون كذلك، لا بد من أن نكون أبناء دولة تسعى إلى استعادة حقوق مغتصبة أو ترد عدوانًا سافرًا وتلتزم ميثاقًا واضحًا وتتبع آليات قرار واضحة!
هل هذه حالنا في لبنان، عندما أُدخل وطننا في “حرب إسناد غزة” ومن ثم في “حرب الانحياز لإيران”؟
في الواقع، عندما حصل ذلك، لم تكن “نحن” الوطنية في الحسبان، لا بل كانت مهمّشة ومرذولة وملعونة!
الهزيمة الأصلية
عندما حصل ذلك، في الثامن من أكتوبر ٢٠٢٣، تفاجأ ما كان قد بقي رَميمًا من هيكل الدولة اللبنانية. بالكاد استطاع المشرفون على هذا الهيكل، يومها، أن يسجلوا موقفًا اعتراضيًا، للتاريخ. وتلقت هذه “النحن” الوطنية الخسائر وتكبدت الكوارث وعانت الويلات، من دون أن يكون لها القدرة على التعويض برفع شعارات الصمود والتصدي. لم تكن “النحن” تحارب وتتصدى وتواجه.
“نحن” الوطنية هُزمت “من زمان”، يوم أُلحقت الدولة بالدويلة، و” نام” السلاح الشرعي في سرير واحد مع السلاح غير الشرعي، ويوم جرى تزوير المفاهيم النبيلة، مثل “المقاومة” و”السيادة” و”المصلحة العليا”!
“نحن الوطنية” تحطمت يوم أصبح ما يقوله حامل بندقية أصدق مما يقوله جميع الرؤساء الدستوريين، ويوم أصبح القضاء اللبناني يحكم باسم “وفيق صفا” (مسؤول في حزب الله) بدل أن يحكم باسم الشعب اللبناني، ويوم باتت ملفات الخيانة تُكتب في الغرف السوداء وليس في غرف التحقيق، ويوم أصبحت العبوة الناسفة هي صندوق الاقتراع، ويوم أصبح “النظام السوري” ال ذي أورث نفسه إلى النظام الإيراني، هو المجتمع الدولي!
ليست إسرائيل، بقدراتها وجبروتها، هي من ألحقت بنا هزيمة. هي تدخل إلينا وتستفيد من هزيمتنا الأصلية
خيانة مكتملة المواصفات
هذه “النحن الوطنية” تعيش راهنًا “محنة ضميرية”، في مكان ما، ويا لها من مفارقة، تعتبر الهزيمة على يد إسرائيل مناسبة لإعادة تكوين نفسها. تجد في الهزيمة الراهنة انتصارًا للمستقبل. تعتبر تحطيم السائد هو تحطيم لأصنامٍ أُجبر الكيان على “عبادتها”!
نعم، هذه خيانة مكتملة المواصفات. خيانة لمجموعة لم تقم أيّ اعتبار للجماعة، للوطن، للحدود، للشعب، للدستور، وللميثاق. نعم، هذه خيانة مكتملة المواصفات، لمجموعة احتكرت الحق والصح والواجب والانتصار، ولم تترك لغيرها حيّزًا للاعتراض، للتصويب، للنصيحة، للتصويت، للمحاسبة والمساءلة!
لا، ليست إسرائيل، بقدراتها وجبروتها، هي من ألحقت بنا هزيمة. هي تدخل إلينا وتستفيد من هزيمتنا الأصلية. لم تدفعنا إسرائيل إلى الجحيم. هي فقط زادت ناره استعارًا. نحن من أطعمنا أنفسنا الثمرة المحرّمة!
نشر ايضا في موقع “نقطة وأوّل السطر”