في لحظة مفصلية، رسم رئيس الجمهورية جوزاف عون معالم انتقال لبنان من منطق الساحة إلى منطق الدولة. كلمته لم تكن توصيفاً لوقف إطلاق النار فحسب، بل إعلاناً عن استعادة القرار الوطني، وترسيخاً لمعادلة جديدة عنوانها: حماية اللبنانيين أولاً، والذهاب إلى السياسة من موقع السيادة لا الاضطرار.
تابعوا هذا الفيديو التحليلي حول الموضوع نفسه وكل تفاصيله
في هذا السياق، بدت عبارته الحاسمة—“أنا مستعد للذهاب حيثما كان، لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي”—كرد مباشر على طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقد لقاء في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. الرسالة واضحة: لبنان لن يتهرّب من الاستحقاقات، ولن يخشى التفاوض حيث يجب، طالما أن البوصلة هي مصلحة شعبه وأمنه. الذهاب إلى أي مكان هنا ليس تنازلاً، بل تعبير عن ثقة دولة عادت لتقرر بنفسها.
ويترسخ هذا المعنى أكثر في قوله الصريح: “فنحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ أبداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها”. إنها لحظة إعلان القطيعة مع عقود من الارتهان، وتثبيت لمبدأ أن لبنان بات صاحب قراره، لا ساحة لتصفية الحسابات.
وفي مواجهة حملات التخوين، وجّه عون خطاباً داخلياً لافتاً، قائلاً: “لا تسمحوا للأصوات المشككة والمخوّنة أن تزرع الفرقة بينكم… لا تنجرّوا خلف من يستغل عواطفكم ليبني مجده على حساب استقراركم”. خطابٌ يلامس اللبنانيين عموماً، ويخاطب ضمناً بيئ ات بعينها، ولا سيما البيئة الشيعية التي قال إنه يعرف أنها “معه في السر”، مستنداً إلى إدراك عميق لحجم التضحيات والألم. وهو هنا لا يدعو فقط إلى الوحدة، بل إلى كسر منطق الاستثمار في الدم والانقسام.
تابعوا هذا الفيديو التحليلي حول الموضوع نفسه وكل تفاصيله
وفي صلب هذا التوجه، يحدد الرئيس خياراً وجودياً لا يحتمل الالتباس: “فبين الانتحارِ والازدهار، أنا وشعبُنا مع الازدهار… وبين الموت العبثي… وبين الحياة… أنا وشعبنا مع الحياة”. إنها إعادة تعريف لأولويات الدولة: حماية الإنسان قبل أي شعار، وإنهاء زمن تحويل اللبنانيين إلى “أضاحي” لصراعات الخارج.
أما في التموضع الإقليمي، فجاءت الإشارة الأوضح في توزيع الشكر: “أتوجه بالشكر… إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإلى الأشقاء العرب وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية”، من دون إدراج إيران ضمن هذه اللائحة. هذا الاستثناء ليس تفصيلاً، بل موقف يعكس قراءة للدور الذي قاد إلى الحرب، بقدر ما يحدد شركاء الخروج منها.
في المحصلة، قدّم عون معادلة متكاملة: “مهمتي واحدة… أن أنقذ هذا البلد وشعبه”. بين الاستعداد “للذهاب إلى أي مكان” لحماية لبنان، و”كفى تخويناً” لحماية الداخل، ورفض أن يكون لبنان “ورقة في جيب أحد”، يتبلور مسار جديد عنوانه دولة تقرر، وشعب يختار الحياة.
تابعوا هذا الفيديو التحليلي حول الموضوع نفسه وكل تفاصيله