ملكون ملكون
مما لا شك فيه أن وجود المسيحيين في المشرق والاقتلاع الشرس الذي يواجهونه يبدو متشابهاً في تفاصيله وجزئياته إلى حدٍ كبير، لذا لا يبدو أن وضع المسيحيين في إيران خارج السياق بل هناك بعض التفاصيل التي تميز وضعهم في ظل الثورة الإسلامية ونظام ولاية الفقيه.
المسيحيون في إيران يزيد عددهم عن 200 ألف نسمة. يتوزعون ما بين (الأرمن والأشوريين والكلدان والإنجيليين)، ويبلغ عدد الأرمن الإيرانيين أكثر من 130 ألف موزعون على ثلاث أبرشيات في أصفهان وتبريز وطهران، وغالبيتهم العظمى من الأرثوذوكس فيما يبلغ عدد الأرمن البروتستانت نحو 350 شخصاً، والأرمن الكاثوليك 50 شخصاً، وبلغة التاريخ فإن الأرمن بدأوا بنشر جرائدهم باللغة الأرمنية بدءاً من عام 1794، وانتشرت جريدة “آليك” باللغة الأرمنية منذ عام 1931 بالإضافة إلى صحف آراكس وآرارات وزيازان، كما يملك الأرمن عدة مجلات أدبية دورية، ولديهم مدارسهم الخاصة وجمعياتهم ومؤسساتهم الاجتماعية والثقافية.
مع قيام الثورة الإسلامية في إيران بدأت الهجرة فغادر أكثر من ثلثي مسيحيي إيران البلاد، رغم الشعارات التي رفعها الخميني
الآشوريون في إيران يقدر عددهم بحوالي عشرة آلاف آشوري، ولهم مدارسهم وجمعياتهم الخيرية والرياضية ويتمركزون في العاصمة طهران ومدينة أرومية التي تعتبر المركز الرئيسي للأشوريين وهي تقع غرب إيران على الحدود العراقية التركية، وشهدت هذه المدينة ولادة أول صحيفة آشورية حملت اسم ( زهريرا دبهرا) وتعني (شعاع النور) وذلك في 1-11-1849 باللغة الآشورية، وأصبح تاريخ صدورها عيداً للصحافة الآشورية والسريانية في العالم يُحتفل به كل عام. صدرت في البداية شهرية ثم نصف شهرية بأربع صفحات، وترأس تحريرها (د. بنيامين لاباري) بمساعدة (ميرزا شموئيل)، أما مواضيعها فقد تنوعت بين الأخبار والثقافة والأدب. وصدرت باللغتين الآشورية والفارسية، واستمرت بالصدور حتى عام 1918. أما الكلدان فيبلغ عددهم ما يقارب 6000 شخص ولهم أبرشيات في الأهواز وأرومية وسلماس وطهران.
يتواجد الإنجيليون في إيران منذ عام 1832 عبر الكنيسة الإنجيلية المشيخية ولكن توزعهم الحالي يبدو مرتبكاً لذا لجأوا للكنائس المنزلية وهي مُلاَحقة من قبل السلطات الإيرانية. إضافة لذلك يوجد في إيران كنيستان أرثوذكسيان، الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والكنيستان يعود تاريخهما إلى بداية هجرة الروس واليونانيين إلى إيران، ولا تزال الكنيستان قائمتين تمارسان نشاطاتهما الدينية والطَقْسيّة إلى الآن.
أما في الجيش، فيشارك المسيحيون في خدمة العلم الإجبارية ولكن من غير المسموح لهم البقاء في الجيش والترقّي داخل صفوفه
في عام 1979 ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران بدأت الهجرة فغادر أكثر من ثلثي مسيحيي إيران البلاد، رغم الشعارات التي رفعها الخميني ومواد الدستور الجديد التي منحت الأقليات الدينية حرية اتباع شرائعهم الخاصة فيما يتعلق بأمور الأحوال الشخصية مع الحفاظ على الشريعة الإسلامية نظاماً قانونياً للبلاد. وتُخصص في البرلمان الإيراني خمسة مقاعد للأقليات الدينية المعترف بها منها مقعدان للأرمن، وواحد للآشوريين والكلدانيين، ولكن على المسيحيين الالتزام بالحجاب للنساء المسيحيات لأن الحجاب أصبح نوعاً ما قانون دولة أو قانوناً مدنياً بتوجيه ديني.
اللافت أن علاقة المسيحيين المباشرة هي مع وزارة الثقافة الإسلامية، فهناك قسم فيها يهتم بشؤون الأقليات، حتى أن العلاقات مع وزارة الداخلية والتربية والخارجية هي عبر هذه القناة. ويُسمح للمسيحيين بالعمل في دوائر الدولة رغم وجود صعوبة كبيرة بالوصول إلى الدرجات الأولى. أما في الجيش، فيشارك المسيحيون في خدمة العلم الإجبارية ولكن من غير المسموح لهم البقاء في الجيش والترقّي داخل صفوفه.
إجمالي عدد المهاجرين حوالي أربعة ملايين من كل الطوائف المسيحية، وبذلك تكون نسبة المسيحيين في إيران قد تراجعت بشكل كارثي لتهبط في العقدين الأخيرين من 0.5% إلى 0.1%.
في إيران التي تضاعف عدد سكانها تقريباً منذ الثورة الإسلامية، هبطت أعداد المسيحيين في البلاد. فعلى سبيل المثال هاجر أكثر من نصف مليون أرمني للولايات المتحدة، فيما يبلغ حسب المصادر المسيحية الإيرانية إجمالي عدد المهاجرين بحوالي أربعة ملايين من كل الطوائف المسيحية. وبذلك تكون نسبة المسيحيين في إيران قد تراجعت بشكل كارثي لتهبط في العقدين الأخيرين من 0.5% إلى 0.1%.
ورغم محاولات الرئيسين “الإصلاحيين” محمد خاتمي وحسن روحاني طمأنة المسيحيين والمجتمع الدولي والحديث عن حوار الحضارات، والإعلان بأن “إيران لا تحاول فرض دينها الرسمي على الآخرين” كما قال روحاني في الأمم المتحدة عام 2017 وحديثه عن التسامح واحترام حقوق الإنسان، لكن كل هذا الكلام وهذه الشعارات تتحول إلى هباءً منثوراً عندما يتم رصد الانتهاكات التي تعرض لها المسيحيون في ايران، والتي دفعتهم للهجرة، وعندما تُفكك كلام روحاني من على المنبر الأممي: “إن حقوق الشعب والمواطنين، وكذلك السعي إلى العدالة والقيم الإسلامية، مسائل تقع في صميم مطلب الشعب الإيراني، وهي الحقوق والقيم التي تجلت عام 1979، خلال الثورة الإسلامية”، فإن هذا يعني ببساطة أن أي إيراني لديه “قيم مسيحية” غير معنيّ بهذه الحقوق والقيم.
قد تشكل الحرب مرحلة جديدة في مسار التراجع التاريخي للوجود المسيحي في إيران، عبر تحويل ما تبقى من هذا المكوّن العريق إلى جماعة أكثر محدودية من حيث العدد
هجرة المسيحيين من إيران بعد وصول الخميني إلى السلطة لم تكن مجرد حركة انتقال سكاني، بل تعبير صريح عن تحوّل تاريخي عميق أعاد تشكيل علاقة الأقليات الدينية بالدولة. وجاءت الحرب الحالية لتفاقم الوضع المسيحي في إيران وتزيده هشاشة، إذ أنه عبر التاريخ تكون الجماعات الصغيرة عددياً أكثر عرضة للتأثر بالنزاعات المسلحة، فتتراجع مساحة الحريات المدنية، وتتوسع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وفي الأنظمة التي تعيش صراعاً مع الغرب تزداد غالباً حساسية الدولة تجاه الجماعات المرتبطة ثقافياً أو دينياً بالغرب، حتى وإن كانت هذه الجماعات وطنية ولا علاقة لها بالصراع السياسي. والخشية أن تتعمق ظاهرة «الاستنزاف الديموغرافي»، حيث تؤدي الضغوط الأمنية والاقتصادية والنفسية إلى مزيد من الانكماش العددي والهجرة التدريجية. وبهذا المعنى، قد تشكل الحرب مرحلة جديدة في مسار التراجع التاريخي للوجود المسيحي في إيران، عبر تحويل ما تبقى من هذا المكوّن العريق إلى جماعة أكثر محدودية من حيث العدد، وأشد حذراً في التعبير عن هويتها داخل المجال العام.
هجرة المسيحيين من إيران هي جزء من هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط بشكل عام، وهي تفقد الشرق الأوسط شيئاً فشيئاً من أحد العناصر الرئيسية من تميزه الحضاري، وتنسف جسراً هاماً ورئيسياً بين المنطقة المشتعلة بالحروب والصراعات والغرب في لحظة يبدو فيها الطرفين بحاجة كبيرة للإبقاء على جسور التواصل لقطع الطريق على القوى التي تعمل على جعل الشرق منطقة موحشة تتنازعها صراع الأصوليات الدينية التي تطيح بكل ما هو حضاري وإنساني.
