فاضل النشمي
أثارت عملية اعتقا ل السلطات الأميركية القيادي في «كتائب حزب الله» محمد باقر السعدي المزيد من الاهتمام بدور هذا الفصيل في عمليات عابرة للحدود، ونظر إليها كثيرون على أنها بداية إجراءات أميركية متشددة حيال الأفراد والشخصيات المرتبطة بـ«قوة القدس»، الذراع الإقليمية لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وما يسمى «محور المقاومة».
ونظراً للبيئة السرية شديدة الصرامة التي عملت بها «الكتائب» منذ تأسيسها على يد نائب هيئة «الحشد الشعبي» السابق أبو مهدي المهندس، الذي قُتل بغارة أميركية عام 2020، في وقت مبكر من مرحلة ما بعد إطاحة نظام الرئيس الراحل صدام حسين عام 2003، فإن الغموض وقلة المعلومات يحيطان بمعظم الشخصيات القيادية داخل هذه الجماعة، بالنظر إلى امتناعهم عن الظهور العلني رغم النفوذ الذي تتمتع به محلياً بوصفها من أكثر الفصائل قرباً وارتباطاً بالحرس الثوري الإيراني.
صلات وثيقة بـ«قوة القدس»
تفيد معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أوساط فصائلية بأن السعدي كان على صلة وثيقة بما تسمى هيئة استخبارات «قوة القدس»، وتشير أيضاً إلى أنه كان على علاقة قوية مع أحد عناصر هذه الهيئة الإيرانية الذي قُتل خلال حرب الأيام الـ11 بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أن مصادر قالت إنه «كان يحب الادعاء بهذه الصلات».
ومن خلال فحص أرشيف صوره على منصة «إكس»، حيث ينشط السعدي منذ عام 2014، يتبين أنه دائم الظهور إلى جانب قيادات في الحرس الثوري الإيراني، وفي أحد مقاطع الفيديو بدا وهو يتبادل الحديث والابتسامات مع الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي.
التنقل الى لبنان وسوريا
وحسب الأوساط الفصائلية، فإن السعدي «كثف زياراته إلى لبنان عقب مقتل زعيم (حزب الله) اللبناني حسن نصر الله في أواخر سبتمبر (أيلول) 2024، كما نشط في التنقل بين لبنان وسوريا خلال فترة حكم بشار الأسد».
وتشير مصادر إلى أن حصول السعدي على «جواز خدمة»، يُمنح عادة للشخصيات العسكرية المهمة والمسؤولين الرسميين، «منحه مرونة في التحرك والسفر إلى دول أخرى». ومن هذه الزاوية تفسر المصادر سفره الأخير إلى تركيا، وعملية الإطاحة به وإلقاء القبض عليه هناك، كما يشاع أنه كان يستعد لرحلة إلى دولة أوروبية.
وظهر السعدي في أكثر من صورة متداولة مع قائد «فيلق القدس» الإيراني السابق قاسم سليماني، وشخصيات أخرى مرتبطة بالفصائل المسلحة والحرس الثوري. وتشير بعض المصادر إلى أنه كان يفضل أن يضع لقب «سليماني» في نهاية اسمه.
كيف اعتُقل السعدي؟
طبقاً لمعظم المصادر الغربية التي تناولت خبر اعتقال ا لسعدي في تركيا ونقله إلى الولايات المتحدة الأميركية، فإنه متهم بالتنسيق والتخطيط لما لا يقل عن 18 هجوماً إرهابياً في أوروبا استهدفت أميركيين ويهوداً، وكل ذلك باسم إنهاء الحرب في إيران، وفقاً لشكوى جنائية فيدرالية.
وظهر السعدي بعد عملية الاعتقال وهو يوجه رسالة إلى والدته عبر شاشة هاتف جوال يطالبها بـ«الصبر»، ويتحدث عن أنهم «لن ينكسروا».
وتتحدث المصادر الغربية عن أنه «وجّه وحثّ آخرين على مهاجمة المصالح الأميركية والإسرائيلية» انتقاماً للحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد طهران.
كما يُتهم السعدي بتنسيق هجومين إضافيين في كندا، وتوجيه آخرين، ومحاولة تنسيق هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك ضد كنيس يهودي في مدينة نيويورك، وفقاً للادعاء.
وتضع الولايات المتحدة «كتائب حزب الله» على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وتقول إن السعدي منخرط مع الجماعة منذ عام 2017. وتشير بعض المصادر إلى أن والده مرتبط بمنظمة «بدر» التي يقودها هادي العامري.
وكانت واشنطن قد رصدت قبل نحو أسبوعين مكافأة بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «الكتائب» أبو حسين الحميداوي.
وكشفت شبكة «CNN» الأميركية عن وجود صلة بين «كتائب حزب الله» والجماعة التي أعلنت مسؤوليتها عن سلسلة هجمات الحرق المتعمد التي استهدفت مواقع يهودية في أنحاء أوروبا، بما في ذلك كُنُس ومدارس وسيارات إسعاف.
وتواجه السعدي سلسلة من التهم، بينها التآمر لتقديم دعم مادي لمنظمة إرهابية أجنبية، والتآمر لتقديم دعم مادي لأعمال إرهابية، والتآمر لتفجير مكان عام. ومثل أمام المحكمة يوم الجمعة في المنطقة الجنوبية من نيويورك، حيث أمر القاضي باحتجازه من دون كفالة، ولم يدفع ببراءته أو إدانته خلال الجلسة.
ولا تُعرف على وجه الدقة التداعيات المحتملة لاعتقال السعدي على «كتائب حزب الله»، ولا طبيعة المعلومات التي قد تحصل عليها الأجهزة الأميركية منه، وإمكانية أن تؤدي إلى انكشاف الجماعة المسلحة التي تقف حالياً في عين العاصفة الأميركية.
وبحسب محامي السعدي، أندرو ج. دالاك، الذي تحدث إلى وسائل إعلام غربية، فإنه «تم اعتقاله في تركيا من قبل السلطات التركية، على الأرجح بطلب من السلطات الأميركية، وتم تسليمه إلى السلطات الأميركية دون منحه فرصة للطعن في قانونية احتجازه أو نقله إلى الولايات المتحدة».
وتطال السعدي اتهامات أخرى، بينها محاولته تدبير تفجير كنيس يهودي بارز في مدينة نيويورك، إلى جانب استهداف موقعين آخرين في الولايات المتحدة، هما مركزان يهوديان في لوس أنجليس وسكوتسديل بولاية أريزونا.
وتشير مزاعم إضافية إلى أن السعدي وافق على دفع 10 آلاف دولار مقابل تنفيذ الهجوم، لكنه أصر على تصويره. ويقول المحققون إنه أصر على تنفيذ الهجوم في 6 أبريل (نيسان)، وعندما لم يقع الهجوم أرسل رسالة نصية إلى العميل السري صباح اليوم التالي يسأله عن السبب.
نشاط مكثف على منصة «إكس»
يبدو أن السعدي ينشط منذ سنوات على منصة «إكس»، وغالباً ما يوجه انتقادات حادة إلى حكومة رئيس الوزراء السابق محمد السوداني، التي رفعت دعوى «تشهير» ضده عام 2024.
وفي يوليو (تموز) 2020، نشر السعدي على حسابه صورة لمبنى الكابيتول الأميركي وهو مدمّر، إلى جانب صور قادة قتلى مثل سليماني، مع عبارة: «انتقامنا للقادة الشهداء مستمر. لا مفاوضات مع المحتل».
كما أعلن عبر المنصة دعمه الصريح لإيران و«محور المقاومة»، وهاجم خصومهما.
وفي عام 2023، نشر السعدي لقطة من تطبيق خرائط لجزيرة أنديان كريك في ولاية فلوريدا الأميركية، وهي جزيرة سكنية صغيرة محصنة في مقاطعة ميامي-ديد، تُعرف إعلامياً باسم «مخبأ المليارديرات»، حيث يقيم عدد من رجال الأعمال والمشاهير والسياسيين، من بينهم جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب.
