“يمشي بين القبور ويصفّر”، هكذا شرح لي سياسي لبناني مخضرم وضعية “حزب الله” في هذه الأيّام.
يلفت هذا السياسي، الذي أمضى سنوات طويلة في مواقع مهمة في صناعة القرار، قبل أن يدفعه التعب والعمر إلى التقاعد في “برج الرقابة”، إلى أنّ اللبنانيين يسمعون الصفير فيظنون أنّ مطلقه مرتاح وقوي ومقتدر. هم لا يصدقون، بفعل تراكم التجارب المرّة، أنّ “المصفّر” يلهي نفسه عن الخوف المتصاعد!
قليلون في لبنان، بمن فيهم هؤلاء الذين يشغلون مناصب حساسة في الدولة، يمكن أن يصدّقوا كلام هذا السياسي، فالحزب لا يزال يواجه في الجنوب، ويلحق، بواسطة المسيّرات المستوردة من سبعينيات القرن الماضي، خسائر بالجيش الإسرائيلي، وبطبيعة الحياة في مستوطنات الشمال القريبة من الحدود مع لبنان.
هواجس ما بعد وقف النار
هو يدافع عن فكرته، في جلسة جمعتنا، قبل ساعات من كتابة هذا المقال، ونخبة من الصحافيين والكتّاب والمحللين، بالاستناد إلى مجموعة من المعطيات.
يفيد بأنّ كبار مسؤولي “حزب الله”، ومنذ مدة، لم يطلبوا، في الواقع، لا وقف إطلاق النار ولا تجميد الأعمال العسكرية، إنّما ضمانات حقيقية بعدم استهدافهم عندما يتوقف إطلاق النار وتتجمد الأعمال العدائية.
ويلفت الانتباه إلى أنّ أحدًا لم يستطع تقديم مثل هذه الضمانات، لأنّ المسألة مرتبطة حصرًا بإسرائيل التي أصدرت أحكام إعدام ميدانية ضد كل من شارك أو تدخل أو دعم، هجومًا ومؤازرةً وإلهاءً وتسليحًا، “طوفان الأقصى”. وهي تعتبر حياة هؤلاء على الأرض تشجيعًا لأجيال جديدة على الحذو حذوهم.
غزة والعراق… نماذج تزيد القلق
ويشير إلى أنّ النماذج الحديثة الخارجة من قطاع غزة ومن العراق تزيد حدة “التصفير”، إذ لا يعتبر نافلًا ما حصل، مثل اغتيال قائد الجناح العسكري لـ”حماس” في غزة عز الدين الحداد، في ظل هدنة مصانة دوليًا، وتوقيف المسؤول في “حزب الله” العراقي محمد باقر سعد داود الساعدي في دولة ذات سيادة، ونقله إلى سجن فيدرالي في الولايات المتحدة الأميركية.
ويعتبر “حزب الله” أنّ ما سوف يتعرض له، في حال ترك الميدان وقرر اتباع سياسة الحد من الخسائر وسلّم القرار للسلطة اللبنانية، أدهى بكثير مما يتعرض له حاليًا.
مفاوضات واشنطن وسيناريوهات السلاح
هو يتابع بدقة المفاوضات المباشرة التي ترعاها واشنطن بين لبنان وإسرائيل، ويدرك أنّ السيناريوهات المعقولة كلها تتمحور حول نزع سلاحه، وحل تنظيمه العسكري، ومنع نشاطاته في الجنوب، وفصله عن بيئته، واعتقال المطلوبين منه بمذكرات توقيف أميركية. وهو يدرك أنّ ثمن استعادة لبنان لبعض من حقوقه يجب أن يُدفع من كيس “حزب الله”.
وبناءً عليه، هو يحاول أن يواجه هذه المفاوضات، علّه يتمكن من الانقضاض على نتائجها. ولا يجد مخرجًا من مصير أسود سوى في ربط نفسه بإيران، بحيث تبدو، بنظره، قادرة على توفير ما يطلبه من ضمانات تمكّنه من العيش سياسيًا، في حال كان متعذرًا أن يعيش عسكريًا. الرهان على الخوف
ويعتقد هذا السياسي بأنّ ذهاب “حزب الله” في هذه المرحلة الحساسة إلى تهديد السلم الأهلي، والصمت على سيناريوهات متخيّلة لإمكان أن ينقلب على السلطة القائمة والسيطرة على الحكم في لبنان، إنما يهدفان إلى محاولة “فرملة” اندفاع السلطة اللبنانية في محادثاتها المباشرة مع إسرائيل، وفي اتفاقياتها “السرية” مع واشنطن.
ويفيد هذا السياسي بأنّ “حزب الله” يراهن على الخوف التاريخي للمستويين السياسي والعسكري منه، حتى ينتج “صفيره” بعض الإيجابيات له، لعلّ وعسى تتغيّر بعض المعادلات وتخفف من حدة “السيف المسلط”.
نشر أيضا في موقع “نقطة وأوّل السطر”
