"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

بين ميقاتي وسلام… حين صار “عيد التحرير” مرثية للجنوب

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأحد، 17 مايو 2026

كان يكفي، في لبنان، أن يحلّ الخامس والعشرون من أيار حتى تبدأ اللغة الخشبية بالازدهار الموسمي: “التحرير”، “الانتصار الإلهي”، “زمن الهزائم العربية ولّى”، و”المعادلات التي فرضتها المقاومة”.

الأغاني نفسها، الشعارات نفسها، الخطب نفسها، والاستعراض نفسه لرجالٍ أقنعوا اللبنانيين، طوال ربع قرن، بأنّ سلاحهم لا يحرس الجنوب فقط، بل يحرس الكرامة والتاريخ والجغرافيا والسيادة… وربما دوران الأرض حول الشمس أيضًا.

فيديو خاص بهذا الموضوع وارتباطه بالتطورات المتلاحقة، إنقروا هنا

ثم مرّ الزمن. وحدث أمرٌ صغير فقط: عاد الاحتلال.

عاد إلى القرى الحدودية، وإلى التلال، وإلى السماء، وإلى يوميات الناس. عاد بينما كان أصحاب “معادلة الردع” يشرحون للبنانيين أنّ كل شيء تحت السيطرة، وأنّ الطريق إلى القدس وبعدها درب عظمة الجمهورية الاسلامية في ايران تمرّ، كالعادة، فوق منازل اللبنانيين وعلى ركام وجثث ونكبة الجنوب.

فجأة، صار عيد المقاومة والتحرير ذكرى عن شيء لم يعد موجودًا. تمامًا مثل القرى التي تحولت إلى مناطق عازلة، ومثل “الردع” الذي بات يحتاج إلى وساطات أميركية يومية حتى لا تتوسع الغارات أكثر.

ولعلّ أكثر ما يكشف حجم التحول، ليس البيانات السياسية ولا الخرائط العسكرية، بل مجرد مقارنة بسيطة بين مذكرتين حكوميتين.

في العام 2024 وكنا لما نزل في منتصف الطريق الى القدس، أصدر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي مذكرة تقليدية بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، جاء فيها:

“يُعلَن يوم السبت في الخامس والعشرين من شهر أيار 2024 يوم عطلة وطنية، بمناسبة «عيد المقاومة والتحرير»، وتُقفل جميع المؤسسات العامة والبلديات وجميع المدارس والجامعات التي تخضع لدوام خاص وتعمل أيام السبت. تُخصص الحصة الأولى من يوم الاثنين الواقع فيه 27/5/2024 في جميع المدارس والمعاهد والجامعات لشرح أهمية هذه المناسبة الوطنية.”

بدا الأمر يومها طبيعيًا: عطلة رسمية، مناسبة وطنية، وحصة مدرسية لشرح “أهمية التحرير”.

كانت الدولة، ولو شكليًا، لا تزال تتعامل مع المناسبة كعيد انتصار مكتمل العناصر، وكأنّ الجنوب محرر فعلًا، وكأنّ السيادة مستقرة فعلًا، وكأنّ ما بُني منذ عام 2000 لا يزال قائمًا.

بعد عامين فقط، أصدر نواف سلام مذكرة مختلفة تمامًا، جاء فيها:

“تضامنًا مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين وأهلنا في الجنوب والقرى الأمامية، ودعمًا لصمودهم، يُعلن يوم الإثنين في الخامس والعشرين من شهر أيار 2026 يوم عطلة رسمية، وتُقفل جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات واتحاداتها والمدارس والجامعات.”

هنا، لم يعد الخامس والعشرون من أيار “عيد تحرير”. صار يوم تضامن.

اختفى الاحتفال، وحضر الرثاء.

اختفت لغة النصر، وحضرت لغة المواساة.

حتى الدولة نفسها لم تعد قادرة على تمثيل المناسبة بوصفها عيدًا لتحرير ناجز، لأنّ الوقائع على الأرض باتت أقسى من البلاغات الرسمية.

والسخرية القاسية هنا أنّ الجهة نفسها التي احتكرت عيد 25 أيار لعقود، وقدّمت نفسها بوصفها الحامي والمحرر وفارض التوازنات على إسرائيل، هي التي انتهى مشروعها إلى إعادة الجنوب إلى ما يشبه ما قبل عام 2000، ولكن بكلفة أعلى، وخراب أكبر، وسيادة أقل.

هكذا، تحوّل عيد التحرير إلى مناسبة يتضامن فيها اللبنانيون مع نتائج الحرب التي خيضت باسم التحرير نفسه.

أما “المقاومة” التي كانت تقول إنّ سلاحها وُجد لمنع الاحتلال، فقد نجحت، بعد كل هذه السنوات، في إعادة الاحتلال… ثم طالبت اللبنانيين بالتصفيق للإنجاز.

فيديو خاص بهذا الموضوع وارتباطه بالتطورات المتلاحقة، إنقروا هنا

المقال السابق
إسرائيل تبني مصنعًا لإنتاج آلاف المسيّرات الانتحارية يوميا لمواكبة تكتيكات «حزب الله»
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

أيّ وقفٍ للنار ذاك الذي خرجت به مفاوضات واشنطن؟

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية