أعادت تعديلات طاولت الكتب المدرسية في سوريا فتح النقاش بشأن توجهات وزارة التربية في صياغة المناهج التعليمية، بعدما كشف تحقيق عرضته قناة «العربية» ضمن برنامج «خارج الصندوق»، عن تغييرات في صور ورسوم تعليمية شملت إضافة الحجاب إلى شخصيات نسائية، وطمس صور نساء وأطفال، وتغطية صور تماثيل، فضلاً عن اختفاء لوحة «الموناليزا» من أحد الكتب المدرسية.
وعرض التحقيق مقارنات بين صور من الطبعات القديمة والنسخ المعدّلة من المناهج، كاشفاً عن اختلافات لم تقتصر على المحتوى المكتوب، بل امتدت إلى طريقة تقديم الشخصيات النسائية والأعمال الفنية والرموز التاريخية أمام التلاميذ.
وأثارت هذه التغييرات تساؤلات واسعة بشأن المعايير التي استندت إليها عملية التعديل، ومدى ارتباطها بمراجعة المناهج أم بتوجهات اجتماعية وفكرية معينة، خصوصاً أن الكتب المستهدفة موجهة إلى أطفال في مراحل التعليم الأساسي.

من إضافة الحجاب إلى اختفاء الموناليزا
وأظهرت المقارنات التي تناولها التحقيق تعديلات على رسوم لشخصيات نسائية، بينها نساء وفتيات وأطفال، إذ أضيف الحجاب إلى بعض الشخصيات، فيما طُمست صور أخرى أو حُذفت بالكامل.
ولم تتوقف التغييرات عند الصور البشرية، بل امتدت إلى الأعمال الفنية والتماثيل، حيث جرى تغطية أجزاء من صور منحوتات، وحذف أعمال فنية أو استبدالها، ومن أبرز الأمثلة اختفاء لوحة «الموناليزا» للفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي من كتاب التاريخ للصف السابع.
كما طالت التعديلات رسماً للأميرة الفينيقية أليسار، مؤسسة قرطاج، إذ استُبدلت صورة كانت تجسدها في رحلة صيد بصورة أخرى أُدخلت عليها تعديلات لتغطية منطقة الذقن والرقبة.
ومن بين الأمثلة التي أثارت الاستغراب والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة قميص مخطط إلى صورة تمثال فرعوني، في تعديل أثار تساؤلات بشأن الأسس الفنية والتربوية التي اعتمدتها الجهات المعنية.
وتشير المقارنات المنشورة إلى أن التعديلات شملت كتباً في الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية والتاريخ، لمراحل دراسية تمتد من الصف الأول حتى الصف السابع.

تعديلات تتجاوز الصور إلى مضمون المناهج
ولا تقتصر القضية على التغييرات البصرية، إذ أظهرت المقارنات حذف دروس من كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس الابتدائي، تتناول الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية.
وأعاد ذلك طرح تساؤلات بشأن طبيعة المعرفة التي تقدمها المناهج الجديدة للأطفال، خصوصاً أن هذه المفاهيم تساعد التلاميذ على فهم حقوقهم وواجباتهم، ودورهم في المجتمع والمؤسسات العامة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «العربي الجديد»، فإن منصة «تأكد» المتخصصة في التحقق من المعلومات راجعت نسخاً قديمة وحديثة من الكتب المدرسية، وأكدت وجود التعديلات المتداولة في كتب معتمدة للعام الدراسي 2026-2027.

مخاوف من إقصاء التنوع الاجتماعي
وأثارت التعديلات مخاوف لدى شريحة من السوريين، خصوصاً في ما يتعلق بطريقة تمثيل المرأة في الكتب المدرسية، ومدى انعكاس التنوع الاجتماعي والثقافي في المجتمع السوري على المحتوى التعليمي.
وفي هذا السياق، اعتبرت أسوان نهار، مديرة منظمة «رؤيا للتغيير» العاملة في مجال التعليم بسوريا، أن المشكلة لا تكمن في ظهور المرأة المحجبة في المناهج أو احترام الخصوصية الدينية والثقافية، بل في أن يتحول تمثيل فئة من النساء إلى إقصاء فئات أخرى، أو أن يُختزل حضور المرأة في مظهرها بدلاً من علمها وقدراتها ودورها في المجتمع.
وشددت على أهمية تقديم نماذج نسائية متنوعة للأطفال، بما يساعد الفتيات على توسيع تصوراتهن عن المستقبل، ويعزز لدى الفتيان صورة المرأة بوصفها شريكاً كاملاً في المجتمع.
كما حذرت من أن حذف دروس المواطنة والمشاركة الديمقراطية قد يحرم التلاميذ فرصة تعليمية منظمة لفهم حقوقهم وواجباتهم وآليات المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم.

وزارة التربية توضح موقفها
في المقابل، دافع مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية السورية عصمت رمضان عن التعديلات، موضحاً أنها تهدف إلى مواءمة المحتوى التعليمي مع ثقافة المجتمع السوري وتنوعه الديني وقيمه.
وقال إن المراجعات شملت حذف رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية، وإن بعض الصور عُدّلت بهدف الحفاظ على التنوع، نافياً أن تكون المناهج الجديدة قائمة على توجه واحد.
كما اعتبر أن حذف صورة من كتاب مدرسي لا يعني حذف المعرفة المرتبطة بها، مشيراً إلى إمكانية التعرف إلى الحضارات القديمة والعصور التاريخية من خلال النصوص التعليمية.
وكانت وزارة التربية قد أوضحت، في بيان سابق، أن التعديل الذي أُجري على المناهج منذ التحرير اقتصر على حذف رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية وتصحيح المحتوى المرتبط بها، مؤكدة العمل على إعداد إطار وطني لمناهج عصرية تعزز التفكير النقدي وحل المشكلات.معركة المناهج.. أي صورة تريد سوريا تقديمها لأطفالها؟
تكشف هذه القضية عن نقاش يتجاوز حذف صورة أو إضافة الحجاب إلى رسم، ليصل إلى طبيعة الهوية التعليمية التي تسعى سوريا إلى بنائها بعد سنوات من الحرب والانقسام وتعدد المناهج.
ففي حين ترى الجهات المعنية أن مراجعة الكتب ضرورية لإزالة إرث النظام السابق وإعادة صياغة المحتوى بما يتناسب مع المجتمع السوري، يخشى منتقدون أن تتحول هذه المراجعة إلى عملية انتقائية تمس التنوع الاجتماعي والفني والثقافي، أو تستبدل أيديولوجيا بأخرى.
وبين الموقفين، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بالمعايير التربوية والعلمية التي ينبغي أن تحكم تطوير المناهج: هل المطلوب مجرد تغيير الصور والرموز، أم بناء تعليم يتيح للأطفال التعرف إلى تاريخهم وحضارات العالم، ويحترم اختلافاتهم، ويعزز قدرتهم على التفكير والنقاش؟
وهو سؤال تزداد أهميته في بلد يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته التعليمية، وجعل المدرسة مساحة للمعرفة والانفتاح والتنوع، لا مجرد انعكاس للتجاذبات الفكرية والسياسية.
