بينما كان “حزب الله” يرفع الستار مجدداً على مسرحية “إنقاذ لبنان” بالصواريخ الإيرانية وصواريخ الجبهة الشمالية، وبينما كانت ماكينة الدعاية التابعة له تحاول إقناع اللبنانيين بأن طهران تخوض حروبها دفاعاً عنهم، كانت الوقائع تكتب نصاً مختلفاً تماماً.
ففي الجنوب اللبناني، حيث قيل إن الحرب جُلبت لحماية لبنان، تراكمت الخسائر والدمار والضحايا. ومنذ أن أوقفت إيران النار وخرجت من المواجهة المباشرة، بقي اللبنانيون وحدهم تحت النار، يدفعون الثمن من أرواحهم ومنازلهم واقتصادهم، فيما واصل الجنوب عدّ قتلاه وغاراته اليومية وتقدم الاحتلال!
وفي بيروت، لم يعد المسؤولون اللبنانيون يخفون ضيقهم من الكلفة الباهظة التي فرضها المشروع الإيراني على الدولة اللبنانية. فالعهد الجديد والحكومة الجديدة يتحدثان أكثر فأكثر عن استعادة القرار السيادي، وعن حصر السلاح بيد الدولة، وعن إنهاء زمن استخدام لبنان منصة لصراعات الآخرين.
وفي خضم هذا المشهد، جاءت من الرياض خطوة بدت كأنها الجواب العملي على سنوات من الشعارات. فبينما كانت إيران تمنح لبنان المزيد من الأزمات، كانت السعودية تمنحه فرصة للخروج منها. وبينما انشغل محور الممانعة بتسويق “انتصاراته”، أعلنت المملكة قراراً اقتصادياً إنقاذياً طال انتظاره: رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية بعد أكثر من خمس سنوات من الإغلاق.
لم تكن الخطوة مجرد قرار تجاري. كانت رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد: عندما يعود لبنان إلى الدولة، يعود العرب إليه. وعندما يبدأ باستعادة مؤسساته وضبط حدوده ومنع استخدام أراضيه للإضرار بأشقائه، يجد من يفتح له الأبواب لا من يفتح فوقه الجبهات.
هكذا، وفي لحظة تتهاوى فيها رواية «الإنقاذ الإيراني» أمام حصيلة الدم والخراب التي خلّفتها الحروب على لبنان، جاءت أول مكافأة عربية ملموسة للعهد الجديد من الرياض؛ لا على هيئة صواريخ عابرة للحدود، بل على شكل قرار يعيد لبنان إلى أسواقه العربية ويمنح اقتصاده فرصة حقيقية للنهوض.