منذ سنوات، يرفع حزب الله سقف خطابه إلى الحد الأقصى. التهديد حاضر، والوعيد لا يغيب، وآخره قول الوزير السابق مصطفى بيرم: “اليد التي ستمتد إلينا لتكون بديلًا عن الإسرائيلي سنقطعها.” لكن المشكلة ليست في قوة اللسان، بل في المسافة التي تفصل اللسان عن اليد.
فاليد التي كانت تُقدَّم على أنها صاحبة القرار، تبدو اليوم أكثر تقييدًا من أي وقت مضى. بعد حرب مدمرة، انتهى القتال بوقف لإطلاق النار من دون تحقيق الأهداف التي أعلنها الحزب عند دخوله المواجهة، فيما واصلت إسرائيل تنفيذ عملياتها داخل لبنان، وهو ما فرض واقعًا مختلفًا عن الخطاب الذي ساد في السنوات الماضية.
وهنا تظهر المفارقة. فعندما تُوجَّه لغة التهديد إلى الداخل اللبناني، يبرز سؤال مشروع: لماذا ترتفع نبرة الخطاب في الداخل، فيما يقف حزب الله بخفرٍ أمام إسرائيل؟ فإذا كانت إسرائيل لا تزال تنفذ عمليات داخل الأراضي اللبنانية، فأين معادلة الردع التي شكّلت لعقود الركيزة الأساسية في خطاب الحزب؟
المفارقة الأخرى أن الحزب، الذي يخاطب خصومه الداخليين بلغة شديدة، وجد نفسه بعد الحرب أمام واقع إقليمي جعل هامش حركته مرتبطًا إلى حد بعيد بحسابات طهران أكثر مما تحدده الساحة اللبنانية. وبينما يتحدث عن المبادرة والفعل، بات في كثير من الأحيان ينتظر اتجاه الرياح الإقليمية قبل أن يحدد مساره. أما الثمن، فقد دفعه الجنوب وأهله. قرى مدمرة، وسكان لم يعودوا إلى منازلهم، وأراضٍ زراعية متضررة، واقتصاد محلي يكاد يكون منهارًا. ومع ذلك، لم يسمع اللبنانيون مراجعة سياسية حقيقية للتجربة، ولا اعترافًا بحجم الكلفة، بل استمر الخطاب نفسه، وكأن شيئًا لم يتغير.
في المقابل، تبدو عضلة يد السلطة أقوى من عضلة لسانها. فهي لا ترفع سقف الخطاب، ولا ترد على التهديدات بتهديدات مضادة، بل تواصل السير في اتفاق الإطار، غير آبهة برفض حزب الله أو حملاته السياسية. وتستند إلى مقاربة تقوم على التدرج، وعلى إدارة الملف بأقل قدر ممكن من الاحتكاك الداخلي، مع الاعتماد على المؤسسة العسكرية لتنفيذ المهام الميدانية بحكمة وانضباط.
ولعل تجربة زوطر الغربية تقدم المثال الأبرز على هذا النهج. فالمنطقة التي كان يُراد لها أن تكون نموذجًا تراقبه واشنطن وتل أبيب لقياس مدى قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، تحولت، بفعل إدارة عسكرية هادئة وحكيمة، إلى نموذج يتابعه أبناء الجنوب أنفسهم. لم يعد السؤال: هل تنفذ الدولة ما يُطلب منها؟ بل أصبح: كيف يمكن استعادة جزء من الأرض؟ وكيف يعود الأهالي تدريجيًا إلى بلدة هجّرتهم منها مغامرة السلاح؟ وكيف تعود الدولة إلى مواطنيها بمؤسساتها وإداراتها وخدماتها، لا بقواها العسكرية وحدها؟
هذه المقارنة ليست بين سلطة قوية وحزب ضعيف، بل بين نهجين مختلفين. الأول ما زال يعتقد أن ارتفاع نبرة الخطاب يعوض تراجع القدرة على الفعل، والثاني يراهن على خطوات ميدانية هادئة، قد لا تحقق مكاسب إعلامية، لكنها تؤسس لاستعادة دور الدولة على الأرض.
لقد اعتاد حزب الله أن يقدم نفسه بوصفه صاحب اليد الأقوى. أما اليوم، فيبدو أن اليد باتت محكومة بقيود الواقع، بينما بقي اللسان محتفظًا بكل زخمه. وفي المقابل، اختارت السلطة أن تخفض صوتها، وأن ترفع منسوب فعلها.
وفي السياسة، كما في الحروب، لا تُقاس موازين القوى بما يُقال في الخطب، بل بما يتحقق على الأرض. وإذا كانت عضلة اللسان لا تزال تعمل بكامل قوتها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع عضلة اليد أن تلحق بها، أم أن زمن الاكتفاء بالخطاب قد بدأ ينحسر لمصلحة الوقائع؟
نشر في “النهار”