هاجم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بشدة أداء الوفد اللبناني المفاوض مع إسرائيل، معتبراً أن سبع جول ات من المفاوضات لم تحقق للبنان أي إنجاز، ومشككاً في جدوى الاستمرار في مسار يرى أنه يمنح إسرائيل ما تريده من دون الحصول على انسحابها.
وفي المقابل، قدم قاسم اتفاق إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره العامل الأساسي الذي أوقف الحرب وخفّض التصعيد، في محاولة واضحة لفصل مسار وقف الحرب عن مسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، والقول إن الانسحاب من المفاوضات لا يعني حكماً عودة الحرب.
قاسم يستعين بكاتب إسرائيلي لمهاجمة الوفد
وفي أقسى مقاطع هجومه على الوفد المفاوض، استشهد قاسم بما قال إنه نص للكاتب الإسرائيلي موشي يائير في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، مؤكداً أنه ينقل الكلام كما ورد ولا يتحمل مسؤولية العبارات التي يتضمنها.
وقال قاسم:
«لحسن حظنا أنهم أرسلوا وفداً يحبون إسرائيل وأمريكا أكثر من بلدهم لبنان. السفيرة اللبنانية هي أمريكية الجنسية وزوجها أيضاً لبناني يحمل الجنسية الأمريكية ولديه شركة في أمريكا. عموماً يا له من غباء! ولا أريد أن أقول إنه تعاون معنا بل هو شيء عجيب. غباء هؤلاء الساسة اللبنانيين الذين يعملون لإنهاء حالة المقاومة، فهم يساعدوننا على احتلال بلدهم من حيث ي شعرون أو لا يشعرون».
وأضاف قاسم بعد نقل الاقتباس: «طبعاً العبارات أنا غير مسؤول عن تفاصيل العبارات، أنا أنقل قول هذا المفكر اليهودي».
ولا تكمن أهمية الاستشهاد، سياسياً، في مضمون الكلام وحده، بل في اختيار قاسم كاتباً إسرائيلياً لتقديمه كشاهد على ما يعتبره خللاً في أداء الوفد اللبناني. فهو يحاول بذلك نقل النقاش من سؤال نجاح المفاوضات أو فشلها إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة المسار نفسه، وما إذا كان يخدم المصالح اللبنانية أم يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية.
«أعطونا إنجازاً واحداً»
بنى قاسم هجومه على سؤال مباشر حول نتائج سبع جولات من المفاوضات.
وقال: «الآن مرّ سبع جولات، لنفترض الجولة الأولى ما زال عندها أفق، الجولة الثانية عندها أفق، السبع جولات! أعطونا إنجازاً واحداً حصل في الجولات السبع؟ لم يحصل شيء، كل شيء أخذه العدو الإسرائيلي، كل ما يريده».
ومن هنا، لا يقتصر اعتراضه على عدم التوصل إلى اتفاق نهائي، بل يطاول ميزان النتائج بين الطرفين. فهو يرى أن استمرار التفاوض في ظل عدم تحقيق الانسحاب الإسرائيلي يجعل المفاوضات، في حد ذاتها، مكسباً لإسرائيل.
ولهذا رفض قاسم المفاوضات المباشرة، قائلاً إن لبنان «يعطي إسرائيل سلفاً ما تريده من دون أن يأخذ منها شيئاً»، كما رفض مضمون «اتفاق الإطار» من أوله إلى آخره.
لماذا لا يخشى قاسم الانسحاب من المفاوضات؟
النقطة الأكثر أهمية في خطاب قاسم تتمثل في رفضه الربط بين الانسحاب من المفاوضات واحتمال عودة الحرب.
فهو يقول إن وقف الحرب لم يكن نتيجة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل نتيجة اتفاق إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال: «الذي أوقف إطلاق النار بشكله الواسع هو اتفاق إسلام آباد، الذي جعلنا في الواقع الذي نحن فيه هو اتفاق إسلام آباد».
كما اعتبر أن «صمود المقاومة ووضع إيران قضية لبنان كشرط أول من شروط الاتفاق على وثيقة التفاهم في إسلام آباد هو الذي كبح جماح العدوان الصهيوني وألزمه بهذا الخفض للتصعيد».
وبذلك يقدم قاسم تفسيراً مختلفاً لمصدر الاستقرار القائم: التفاهم الأميركي ـ الإيراني هو الذي أوقف الحرب، وليس المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي.
وهذه القراءة تتيح له القول إن الانسحاب من المفاوضات لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب، لأن العامل الذي أوقف الحرب، بحسب روايته، موجود خارج طاولة التفاوض اللبنانية.
اتفاق إسلام آباد في مواجهة اتفاق الإطار
في خطاب قاسم، يظهر «اتفاق إسلام آباد» عملياً في موقع النقيض لـ«اتفاق الإطار».
فالأول، بحسب روايته، أدى إلى وقف الحرب وخفض التصعيد، بينما الثاني لم يؤدِّ إلى الانسحاب الإسرائيلي، بل إلى تقديم تنازلات للبنان من دون مقابل.
وقال عن اتفاق الإطار: «لم يأتِ بشيء، لم يأتِ بشيء»، مضيفاً أن ما نتج عنه، وفق قراءته، هو بقاء إسرائيل في زوطر الغربية واحتلال المنصوري.
وهكذا يحاول قاسم إعادة تعريف مصدر القوة اللبنانية: ليست المفاوضات هي التي تمنع الحرب، بل التوازن الإقليمي الذي أنتج تفاهم واشنطن وطهران.
هجوم على السلطة لا على التفاوض فقط
لذلك لم يكن هجوم قاسم موجهاً إلى آلية التفاوض فحسب، بل إلى السلطة اللبنانية التي تديرها.
ودعاها إلى الاعتراف بالفشل والعودة إلى «قوة الموقف الموحد»، واستخدام عناصر القوة اللبنانية، التي حددها بـ«ورقة المقاومة، ورقة الوحدة، ورقة القدرة، ورقة السيادة».
وفي هذا السياق، يرى قاسم أن المشكلة الأساسية تكمن في أن لبنان يدخل المفاوضات من موقع ضعيف، فيما تقدم إسرائيل مطالبها وشروطها من موقع القوة.
ومن هنا، فإن وقف المفاوضات، في منطقه، ليس مغامرة قد تعيد الحرب، بل وسيلة لوقف مسار يعتبره خاسراً، خصوصاً أن وقف الحرب نفسه تحقق، بحسب روايته، بفعل تفاهم أميركي ـ إيراني.
المعركة على مرجعية القرار اللبناني
تكشف هذه المقاربة عن خلاف أعمق من الخلاف على بنود اتفاق الإطار.
فالسلطة اللبنانية تنطلق من أن التفاوض المباشر، برعاية أميركية، هو الطريق المتاح للوصول إلى انسحاب إسرائيلي وترتيبات أمنية مستقرة.
أما قاسم، فيقول عملياً إن هذا المسار لا ينبغي أن يكون المرجعية الوحيدة لمستقبل لبنان، لأن مفتاح الحرب والتهدئة موجود في توازن إقليمي أوسع.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في خطابه: فهو يرفض أن يكون القرار اللبناني خاضعاً للمسار الأميركي ـ الإسرائيلي، لكنه في المقابل يربط وقف الحرب بتفاهم أميركي ـ إيراني، ويعتبر أن إدراج لبنان في هذا التفاهم هو الذي أسهم في وقف التصعيد.
بالنسبة إلى قاسم، لا تبدو هذه مفارقة، لأن التفاهم الأميركي ـ الإيراني، في قراءته، يعكس توازناً إقليمياً يمنع إسرائيل من فرض شروطها، بينما المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تعكس اختلالاً في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل.
رسالة قاسم: لا تجعلوا الخوف من الحرب ورقة ضغط
في المحصلة، يوجه قاسم رسالة واضحة إلى السلطة اللبنانية: لا تستخدموا الخوف من عودة الحرب لتبرير استمرار المفاوضات.
فإذا كان وقف الحرب قد تحقق، بحسب روايته، من خلال اتفاق إسلام آباد، وإذا كانت إسرائيل لا تزال ترفض الانسحاب وتواصل خروقاتها، فإن استمرار التفاوض لا يصبح، في نظره، ضرورة لمنع الحرب، بل يتحول إلى مسار يمكن للبنان أن ينسحب منه من دون أن يعني ذلك حكماً العودة إلى القتال.
وهنا تكتسب الإشارة إلى الكاتب الإسرائيلي موشي يائير أهمية إضافية في خطاب قاسم. فهو يريد أن يقول إن الخلل في الوفد اللبناني ليس مجرد تقييم لحزب الله، بل إن هناك، وفق الاقتباس الذي أورده، من داخل إسرائيل نفسها من يرى أن أداء هذا الوفد يخدم المصالح الإسرائيلية.
وبذلك تصبح معركة قاسم الأساسية مع المعادلة التي تربط بين استمرار التفاوض وبين منع الحرب.
هو يطرح معادلة مختلفة: الحرب توقفت بتفاهم أميركي ـ إيراني، والمفاوضات لم تحقق الانسحاب الإسرائيلي؛ لذلك لا يرى أن الانسحاب من المفاوضات يجب أن يكون مرادفاً للعودة إلى الحرب.
وهذا، في جوهره، هو أحد أبرز الرسائل السياسية في كلمة نعيم قاسم: رفض تحويل المفاوضات إلى قدر لبناني، ورفض تحويل الخوف من الحرب إلى سبب للقبول بمسار يعتبره الحزب تنازلياً.
