"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

«الغضب له وقت ويمكن أن ينفجر»: قاسم يهدد السلطة أم يوحي بأنّه يهدّئ جمهور حزب الله؟

نيوزاليست
الجمعة، 14 أغسطس 2026

«الغضب له وقت ويمكن أن ينفجر»: قاسم يهدد السلطة  أم يوحي بأنّه يهدّئ جمهور حزب الله؟

في أكثر مقاطع كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إثارة للانتباه، لم يكن الحديث عن إسرائيل أو المفاوضات أو اتفاق الإطار، بل عن غضب جمهور المقاومة نفسه. عبارة قال فيها إن هذا الغضب «له وقت ويمكن أن ينفجر»، داعياً جمهور الحزب في الوقت نفسه إلى «اختزان هذا الغضب في صدوركم» والاستعداد لاستخدامه «في الوقت الذي يحين لتحقيق أهدافكم ومطالبكم».

السؤال الذي تطرحه هذه العبارة يتجاوز معناها المباشر: هل كان قاسم يهدد السلطة اللبنانية من خلال جمهور حزب الله، أم كان في الواقع يحاول تهدئة هذا الجمهور ومنعه من تحويل غضبه إلى مواجهة داخلية في الوقت الراهن؟

الأرجح أن الرسالة تجمع الأمرين، لكن بدرجتين مختلفتين.

«اختزنوا الغضب» قبل «يمكن أن ينفجر»

إذا أخذنا العبارة كاملة، وليس الجزء المتعلق بـ«الانفجار» وحده، فإن قاسم لم يدعُ جمهور الحزب إلى التحرك، بل فعل العكس تماماً.

هو قال: «من حقكم أن تغضبوا ومن حقكم أن تعبّروا كل ما تريدون، لكن نطلب منكم اختزنوا هذا الغضب في صدوركم وتهيّأوا لاستخدامه في الوقت الذي يحين لتحقيق أهدافكم ومطالبكم».

ثم أضاف: «غضبكم له وقت، يمكن أن ينفجر».

هذه الصياغة تحمل عنصر تأجيل الفعل بوضوح. فلو كان المقصود تعبئة الشارع فوراً، لكان الخطاب اتخذ شكلاً مختلفاً، عبر تحديد هدف أو دعوة إلى تحرك أو احتجاج أو مواجهة.

لكن قاسم لم يفعل ذلك.

على العكس، وضع شرطاً زمنياً وسياسياً: ليس الآن، بل عندما يحين الوقت.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكلام باعتباره رسالة تهدئة لجمهور الحزب، خصوصاً بعد خطاب طويل اتسم بحدة غير مسبوقة تقريباً تجاه السلطة اللبنانية.

لماذا يحتاج قاسم إلى تهدئة جمهوره؟

لأن الخطاب نفسه يراكم أسباب الغضب.

قاسم يتحدث عن سلطة «فشلت»، وعن «وصاية أميركية»، وعن اتفاق إطار يعتبره «إملاءات إسرائيلية»، وعن مفاوضات لم تحقق، بحسب قوله، أي إنجاز، وعن الجيش اللبناني الذي يتعرض للقصف، وعن أراضٍ لبنانية محررة لا تستطيع الدولة الوصول إليها، وعن تنازلات يعتبرها مساساً بالسيادة.

ثم يقول لجمهوره: من حقكم أن تغضبوا.

هذه العبارة مهمة لأنها تعترف بالغضب ولا تنكره، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى إبقائه تحت السيطرة التنظيمية والسياسية.

بمعنى آخر، قاسم لا يقول لجمهوره: لا تغضبوا.

بل يقول: اغضبوا، لكن لا تتصرفوا الآن.

وهذا فرق جوهري.

لكن أين التهديد إذاً؟

التهديد موجود في الجملة التالية: «غضبكم له وقت ويمكن أن ينفجر».

فهو لا يكتفي بتأجيل الغضب، بل يوجهه نحو السلطة والجهات التي «تحاول أن تعمل ضد المقاومة وأهل المقاومة».

ويقول صراحة: «فليتحمل الذي لا يعرف كيف يشتغل والذي يحاول أن يعمل ضد المقاومة وأهل المقاومة، هو يتحمل المسؤولية».

هنا تتحول الرسالة من مجرد تهدئة إلى رسالة ردع سياسي.

فالسلطة اللبنانية التي كانت تسمع طوال الخطاب اتهامات بالفشل والتبعية والتنازل، تسمع في نهاية المطاف أن جمهور المقاومة غاضب، وأن هذا الغضب لن يبقى بالضرورة بلا نهاية.

وبالتالي، يمكن فهم العبارة على مستويين:

إلى جمهور المقاومة: لا تتحركوا الآن، احتفظوا بغضبكم.

إلى السلطة: لا تفسروا ضبط جمهور المقاومة لغضبه على أنه قبول بالمسار الذي تقومون به.

وهذا هو جوهر الرسالة المزدوجة.

قاسم لا يريد معركة داخلية الآن

هناك مؤشر آخر مهم في الكلمة نفسها.

فقاسم قال بوضوح: «نحن حريصون على استقرار الوضع الداخلي»، وتحدث عن النازحين والإيواء والمساعدات وترميم الأضرار، مؤكداً أن الدولة مسؤولة عن ذلك، ومعلناً استعداد الحزب للمساعدة والتعاون.

وهذا يجعل من الصعب قراءة كلامه عن «انفجار الغضب» باعتباره دعوة مباشرة إلى مواجهة داخلية.

الأقرب أنه يريد الاحتفاظ بالقدرة على الضغط من دون استخدام القوة الداخلية الآن.

أي أن الحزب، وفق هذه القراءة، يريد أن يقول للسلطة: لدينا جمهور غاضب ولدينا قدرة على التأثير، لكننا لا نريد استخدام هذه القدرة في الوقت الراهن.

وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الردع.

لماذا استخدم كلمة «ينفجر»؟

لأنها تخدم وظيفة سياسية دقيقة.

لو قال قاسم إن جمهور المقاومة «سيتحرك»، لكانت الرسالة أكثر مباشرة وأقرب إلى التهديد السياسي.

أما قوله إن الغضب «يمكن أن ينفجر»، فهو يترك مساحة من الغموض: لا يحدد كيف، ولا متى، ولا ضد من تحديداً، ولا من سيقرر لحظة الانفجار.

وهذا الغموض يمنح العبارة قوة ردعية أكبر، لأنه يجعل الطرف الآخر أمام احتمال غير محدد.

لكن في الوقت نفسه، هذا الغموض يخدم عملية ضبط الجمهور؛ إذ إن تحديد «الوقت المناسب» يبقى بيد قيادة الحزب، وليس بيد الشارع.

رسالة إلى السلطة: لا تختبروا صبر الجمهور

يمكن قراءة المقطع، في هذا السياق، باعتباره رسالة مباشرة إلى السلطة اللبنانية التي يهاجمها قاسم طوال الكلمة.

المعنى الضمني هو:

لا تعتبروا أن التزام جمهور المقاومة الهدوء يعني أن هذا الجمهور قبل بما يجري.

فالهدوء، وفق هذه الرسالة، ليس بالضرورة قبولاً، والصبر ليس بالضرورة تنازلاً.

وهذا مهم في ظل المعركة السياسية حول اتفاق الإطار والمفاوضات. فقاسم يريد أن يمنع السلطة من الاعتقاد بأن الضغوط التي تمارس على حزب الله ستؤدي تلقائياً إلى قبول جمهوره بها.

لذلك يضع أمامها ورقة أخرى: الغضب الشعبي داخل بيئة المقاومة.

لكن هناك رسالة أخرى إلى البيئة نفسها

في المقابل، ثمة جانب آخر أكثر هدوءاً في العبارة.

جمهور الحزب مرّ، بحسب الخطاب نفسه، بفترة طويلة من الحرب والخسائر والتهجير والدمار. وقاسم يحتاج إلى إبقاء هذا الجمهور متماسكاً، لا إلى دفعه إلى انفجار غير محسوب قد يفتح مواجهة داخلية في لبنان.

لذلك فإن قوله «اختزنوا هذا الغضب» يمكن أن يُقرأ باعتباره آلية لضبط الانفعال الجماهيري.

هو يعترف بأن هناك غضباً، ويعطيه شرعية، لكنه يقول إن القيادة هي التي ستحدد متى وكيف يُستخدم.

وهذا نمط معروف في الخطابات السياسية التعبوية: تحويل الغضب من رد فعل فوري إلى رصيد سياسي محفوظ.

بين التهديد والتهدئة

لذلك، فإن اختزال كلام قاسم بأنه «تهديد للسلطة» وحده لا يكفي، كما أن اعتباره مجرد «دعوة إلى التهدئة» لا يلتقط معناه السياسي الكامل.

إنه تهديد مؤجل، وتهدئة فورية.

تهدئة للجمهور، لأن المطلوب منه ألا يتحرك الآن.

وتهديد للسلطة، لأن عليها أن تعرف أن هذا الهدوء ليس بلا حدود.

والعبارة الأكثر دلالة في هذا السياق ليست «يمكن أن ينفجر» وحدها، بل «اختزنوا هذا الغضب»؛ لأن الاختزان يعني أن الغضب موجود، لكنه تحت السيطرة.

لماذا الآن؟

تكتسب العبارة أهمية أكبر لأنها جاءت بعد هجوم قاسم على السلطة والمفاوضات.

فهو كان قد قال إن السلطة «فشلت»، وإن اتفاق الإطار «ليس اتفاقاً ولا إطاراً»، وإن المفاوضات لم تحقق إنجازاً في سبع جولات، ودعا السلطة إلى التراجع عن هذا المسار.

ثم، بعد بناء هذا الملف السياسي، توجه إلى جمهور المقاومة ليقول له عملياً: لا تحولوا الغضب إلى فعل الآن، لكن لا تتخلوا عنه أيضاً.

وهنا تصبح العبارة جزءاً من استراتيجية تفاوضية أوسع: رفع كلفة قرار السلطة، من دون الانتقال إلى مواجهة داخلية.

ماذا نتوقع؟

كلام نعيم قاسم عن «الغضب الذي يمكن أن ينفجر» لا يبدو، في سياقه الكامل، إعلاناً عن مواجهة داخلية وشيكة.

بل هو أقرب إلى معادلة ردع مزدوجة:

يهدئ الجمهور عبر الطلب منه تأجيل أي تحرك، ويحذر السلطة في الوقت نفسه من أن هذا التأجيل ليس إلى ما لا نهاية.

وبذلك يحاول قاسم إبقاء الشارع تحت سقف القيادة، وفي الوقت نفسه استخدام هذا الشارع كورقة ضغط على السلطة.

فالرسالة ليست: «انفجروا الآن».

وليست أيضاً: «لا تقلقوا، لن يحصل شيء».

بل هي أقرب إلى: «ابقوا هادئين الآن، لكن لا تعتبروا هدوءكم تنازلاً، وعلى السلطة أن تعرف أن للصبر حدوداً».

وهذا تحديداً ما يجعل العبارة واحدة من أخطر مقاطع الكلمة سياسياً: لأنها لا تحدد موعداً للمواجهة، لكنها تضع احتمالها على الطاولة.

المقال السابق
نعيم قاسم يهاجم السلطة ومفاوضاتها ويجدّد رهانه على ضمانات إيران في اتفاق إسلام آباد
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

نعيم قاسم يهاجم السلطة ومفاوضاتها ويجدّد رهانه على ضمانات إيران في اتفاق إسلام آباد

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية