لا يقتصر الانتشار الإسرائيلي الحالي داخل جنوب لبنان على إنشاء مواقع حدودية، بل يعتمد أساسًا على السيطرة على المرتفعات التي تمنح أفضلية عسكرية في ا لمراقبة والتحرك وإدارة أي مواجهة مستقبلية.
ففي أقصى الشرق، يتمركز الجيش الإسرائيلي على قمة جبل الشيخ، وهي من أعلى القمم في المنطقة. ومن هذه النقطة يستطيع مراقبة جزء كبير من البقاع الغربي والأوسط، وصولًا إلى محيط سلطان يعقوب والطريق الدولي الذي يربط بيروت بدمشق، ما يمنحه قدرة استخبارية ورقابية واسعة على أحد أهم محاور الحركة في لبنان.
وفي القطاع الأوسط، يسيطر على مرتفعات علي الطاهر المشرفة على النبطية ووادي الليطاني، وهي نقطة استراتيجية تتيح مراقبة التحركات العسكرية والمدنية، كما تؤمن محاور تحرك سريعة باتجاه النبطية والداخل اللبناني إذا اتسعت رقعة المواجهة.
كما تتمركز القوات الإسرائيلية على المرتفعات المشرفة على بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، وهي مواقع تمنحها إشرافًا واسعًا على المنطقة الممتدة بين بنت جبيل ووادي السلوقي، وتوفر سيطرة نارية وبصرية على عدد من المحاور التي تقود إلى عمق الجنوب، ما يجعلها نقطة ارتكاز مهمة في أي عملية دفاعية أو هجومية مستقبلية.
أما على الساحل، فيتمركز الجيش الإسرائيلي في محيط رأس البيضاء ومجدل زون، وهما موقعان يتيحان مراقبة الشريط الساحلي والطرق المؤدية إلى مدينتي صور وصيدا، ويمنحان القوات الإسرائيلية قدرة على رصد أي تحركات بحرية أو برية على الساحل الجنوبي.
ويعني ذلك أن الانتشار الإسرائيلي الحالي لا يقوم على احتلال مساحات واسعة من الأراضي، بل على الإمساك بمجموعة من العقد الجغرافية الحاكمة التي تشرف على أهم محاور الحركة في الجنوب والبقاع والساحل. فمن يسيطر على المرتفعات يسيطر على الرؤية، ومن يسيطر على الرؤية يمتلك أفضلية الرصد، وتوجيه النيران، وإدارة المناورة العسكرية.
ولهذا، ينظر عدد من الخبراء العسكريين إلى هذا الانتشار على أنه انتشار دفاعي بقدرات هجومية؛ فهو يوفر لإسرائيل عمقًا أمنيًا على الحدود، وفي الوقت نفسه يتيح لها، عند الحاجة، التحرك بسرعة على محاور مختارة نحو الداخل اللبناني، من دون الحاجة إلى انتشار واسع أو دائم داخل الأراضي اللبنانية.
