في كل مرة تُعلن فيها العواصم الكبرى اتفاقاً جديداً للسلام في الشرق الأوسط، يتكرر المشهد نفسه: احتفالات في غرف التفاوض، وبيانات دبلوماسية تتحدث عن الاستقرار، وأسواق تستجيب بإيجابية، فيما ينظر الناس الذين يعيشون على خطوط التماس إلى كل ذلك بشك عميق.
هذا ما كشفه بوضوح رد فعل سكان شمال إسرائيل على إدراج لبنان ضمن التفاهم الأميركي – الإيراني الأخير. فهؤلاء لم يسألوا عن بنود الاتفاق، ولم يناقشوا تفاصيل التفاهمات بين واشنطن وطهران، بل طرحوا سؤالاً واحداً: هل أصبحنا أكثر أمناً؟
عندما يغيب الجواب الواضح، تفقد الاتفاقات بريقها.
من السهل على السياسيين الاعتقاد أن الحروب تنتهي بتوقيع الوثائق. لكن الت جارب المتراكمة في منطقتنا تقول العكس. فالحروب تنتهي فعلاً عندما يقتنع الناس بأن الخوف الذي عاشوه لن يعود غداً. أما الاتفاقات فهي مجرد إطار قانوني أو سياسي يمنح فرصة لهذا التحول، لكنها لا تصنعه بنفسها.
ما يجمع بين ساكن الجليل وساكن الضاحية أو النبطية أو بنت جبيل أو صور ليس السياسة، بل السؤال نفسه: هل يمكن الوثوق بأن الغد سيكون أكثر أمناً من الأمس؟
يكفي الاستماع إلى الناس على ضفتي الحدود لفهم ذلك. فالمواطن في الضاحية الجنوبية أو النبطية أو بنت جبيل أو صور لا ينشغل أولاً ببنود التفاهم الأميركي – الإيراني ولا بأسماء الوسطاء الذين رعوه. ما يشغله هو سؤال أكثر بساطة وأشد قسوة: هل أعيد ترميم منزلي؟ هل أفتح متجري مجدداً؟ هل أرسل أولادي إلى مدارسهم مطمئناً إلى أن الحرب لن تعود بعد أشهر؟ بالنسبة إليه، السلام ليس إعلاناً سياسياً ولا مؤتمراً دولياً، بل القدرة على التخطيط للمستقبل من دون الخوف من انهياره فجأة.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كان موران دادوش من مستوطنة غورين في الجليل الغربي يستقبل الاتفاق بالمشاعر نفسها تقريباً، وإن اختلفت الرواية السياسية. الرجل قال لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه شعر بالخيانة، لا من إيرا ن ولا من «حزب الله»، بل من حكومته. لم يكن يسأل عن تفاصيل الاتفاق ولا عن الدول التي شاركت في صياغته، بل عن سؤال واحد: من سيمنع الحرب المقبلة؟ ومن سيضمن ألا يعود التهديد إلى الحدود؟ بالنسبة إليه أيضاً، لا قيمة لأي اتفاق إذا لم يغيّر الواقع الذي يعيشه يومياً.
هنا تحديداً يلتقي الجنوبي اللبناني وساكن الجليل الإسرائيلي، رغم كل ما يفصل بينهما. كلاهما لا يبحث عن انتصار دبلوماسي، بل عن يقين. كلاهما يريد أن يصدق أن أبناءه لن يعيشوا الحرب نفسها مرة أخرى. وكلاهما يعرف، من تجربة طويلة ومؤلمة، أن السلام الذي لا يتحول إلى واقع ملموس في حياة الناس يبقى مجرد حبر على ورق.
ولهذا السبب لم يتعامل سكان الشمال الإسرائيلي مع الاتفاق كإنجاز سياسي. بالنسبة إليهم، الأمن ليس بنداً في مذكرة تفاهم، بل واقعاً يومياً. هم يريدون رؤية حدود مختلفة، وضمانات مختلفة، وميزان قوى مختلفاً. ولذلك يربطون بين أمنهم وبين استمرار الوقائع التي فرضتها الحرب على الأرض.
قد يختلف اللبنانيون مع هذا التصور جذرياً، بل من الطبيعي أن يرفضوا اعتبار الاحتلال الإسرائيلي لأي جزء من أرضهم ضمانة للأمن. لكن المفارقة أن القلق نفسه موجود على جانبي الحدود، وإن اختلفت أشكاله وأسبابه.
فالإسرائيلي الذي يعيش في مستوطنة حدودية يريد أن يقتنع أن الصواريخ لن تعود إلى منزله بعد أشهر أو سنوات. واللبناني الذي يحاول إعادة بناء حياته في الضاحية أو النبطية أو بنت جبيل أو صور يريد أن يقتنع أن ما أعاد بناءه لن يتحول مجدداً إلى ركام.
في الحالتين، المسألة ليست مسألة اتفاقات، بل مسألة ثقة.
ولهذا تبدو إحدى أكبر مشكلات الشرق الأوسط أن النخب السياسية غالباً ما تتعامل مع السلام بوصفه نتيجة لتفاهم بين الدول، فيما يراه الناس العاديون نتيجة لتفاهم بينهم وبين المستقبل. الدولة توقع الاتفاق، لكن المواطن هو الذي يقرر إن كان سيصدق أن الحرب انتهت.
من هنا، فإن نجاح أي تفاهم أميركي – إيراني أو عربي – إسرائيلي أو لبناني – دولي لن يُقاس بعدد الصفحات التي يتضمنها، ولا بعدد الوسطاء الذين رعوه، بل بقدرته على خلق وقائع جديدة تجعل الناس يشعرون بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.
فالسلام الحقيقي لا يولد في غرف التفاوض. السلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح الخوف أقل من الأمل.
وعندما يثق الناس بذلك، تصبح الاتفاقات مجرد تفصيل.