لم تُفرز الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، وفق استطلاعات الخروج، أكثرية واضحة قادرة على تشكيل الحكومة. فبنيامين نتنياهو، الذي بقي حزب «الليكود» بزعامة يتصدر الأحزاب، خسر القدرة على الاستناد إلى أكثرية برلمانية تضمن له الحكم، فيما لم يتمكن خصومه من تحويل تقدمهم العددي إلى انتصار يتيح لهم تسلّم السلطة.
وبحسب التقديرات الأولية، حصل معسكر نتنياهو على نحو 50 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، مقابل 52 إلى 53 مقعداً للمعسكر المعارض، فيما يُتوقع أن تحصد الأحزاب العربية مجتمعة 17 إلى 18 مقعداً. ومع أن هذه الأرقام لا تمثل نتائج رسمية نهائية، فإنها تكشف عن معادلة سياسية معقدة، لا يستطيع فيها أي من المعسكرين تأمين أكثرية الـ61 نائباً اللازمة لتشكيل حكومة بمفرده.
في هذا المشهد، لا يتوقف مستقبل الحكم على الحزب الذي تصدّر النتائج، بل على قدرة الأطراف على بناء تحالفات تتجاوز الانقسامات القائمة. وتبرز أربعة سيناريوهات أساسية: تشكيل حكومة بقيادة المعارضة، أو محاولة نتنياهو إعادة تركيب ائتلافه، أو التوصل إلى صيغة وحدة وطنية، أو العودة إلى الانتخابات.
1. حكومة معارضة بدعم عربي: الأكثرية الحسابية تصطدم بالسياسة
يتمثل السيناريو الأول في نجاح المعسكر المناهض لنتنياهو في تشكيل حكومة بقيادة غادي آيزنكوت أو شخصية أخرى يتوافق عليها قادته، مستفيداً من المقاعد التي يمتلكها ومن الوزن البرلماني للأحزاب العربية.
لكن هذا المسار يصطدم بمشكلة أساسية: فالمقاعد المتوقعة للمعارضة لا تكفي وحدها لتأمين الأكثرية، فيما يستبعد عدد من قادتها إشراك الأحزاب العربية في الحكومة. أما آيزنكوت، فقد أعلن رفضه تولّي رئاسة الحكومة تحت قيادة نتنياهو، لكنه وضع شروطاً سياسية للتعامل مع الأحزاب العربية، ولا سيما «رَعَم».
وقد تكون إحدى الصيغ الممكنة تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم أحزاب من خارج الائتلاف أو على امتناع بعض النواب عن التصويت ضدها. غير أن نجاح هذه الصيغة يحتاج إلى تفاهمات واضحة، سواء بشأن برنامج الحكومة أو حدود التعاون البرلماني، فضلاً عن قدرة مكوناتها على تجاوز خلافاتها في قضايا الأمن والتجنيد والاقتصاد والعلاقة بالأحزاب العربية.
وعليه، فإن تقدم المعارضة في عدد المقاعد لا يكفي وحده لإيصالها إلى الحكم؛ إذ يتعين عليها أولاً الاتفاق على مرشح لرئاسة الحكومة، ثم إيجاد صيغة عملية لتأمين الثقة البرلمانية.
2. نتنياهو يعيد تركيب ائتلافه: البقاء في الحكم رغم خسارة الأكثرية
السيناريو الثاني هو أن يحاول نتنياهو إعادة بناء أكثرية برلمانية، من خلال استقطاب قوى إضافية أو استثمار التباينات داخل المعسكر المعارض.
فرغم تراجع معسكره، بقي «الليكود» الحزب الأكبر وفق استطلاعات الخروج، وهو ما يمنح نتنياهو موقعاً تفاوضياً لا يمكن تجاهله. كما أن عدم اتفاق المعارضة على صيغة حكومية موحدة قد يتيح له محاولة تعطيل انتقال السلطة أو إعادة ترتيب التحالفات.
لكن الفجوة العددية كبيرة نسبياً؛ فمعسكره، الذي يُقدّر بنحو 50 مقعداً، يحتاج إلى 11 مقعداً إضافياً لبلوغ عتبة الـ61. ولا يمكن سد هذه الفجوة بمجرد إعادة توزيع الأدوار داخل الائتلاف الحالي، بل يتطلب الأمر تفاهمات جديدة مع قوى من خارجه.
ويواجه هذا السيناريو عقبة أخرى تتمثل في رفض عدد من قادة المعارضة المشاركة في حكومة يرأسها نتنياهو، حتى ضمن صيغة تناوب على رئاسة الحكومة. لذلك، فإن أي محاولة لإعادة تركيب ائتلافه ستعتمد على مواقف الأحزاب والنواب الذين قد يغيرون حساباتهم خلال المفاوضات.
3. حكومة وحدة وطنية: تسوية صعبة بين الخصوم
قد تطرح الأزمة خيار حكومة وحدة وطنية تضم «الليكود» وأجزاء من المعارضة، بهدف تجاوز الانسداد وتأمين أكثرية برلمانية مستقرة.
لكن هذا الخيار يصطدم بالمواقف المعلنة لقادة المعارضة. فقد رفض آيزنكوت تولّي رئاسة الحكومة تحت قيادة نتنياهو، حتى في إطار تناوب على المنصب، فيما استبعد قادة آخرون الانضمام إلى ائتلاف يرأسه رئيس الوزراء الحالي.
وتتجاوز الخلافات مسألة توزيع المناصب، لتشمل تقييم أداء الحكومة في أعقاب هجمات السابع من تشرين الأول 2023 والحرب التي تلتها، فضلاً عن ملفات المساءلة السياسية والأمنية والتجنيد والعلاقة بالمؤسسات الدينية.
ومع ذلك، تبقى حكومة الوحدة احتمالاً يمكن أن يُطرح إذا تعذر تشكيل ائتلاف بديل أو إعادة بناء المعسكر الحالي. غير أن الوصول إلى مثل هذه التسوية يتطلب تنازلات متبادلة واتفاقاً على قيادة الحكومة وبرنامجها، وهو ما لم يظهر في المواقف المعلنة حتى الآن.
4. انتخابات جديدة: إعادة إنتاج الأزمة أم تغيير المعادلة؟
إذا فشلت الأطراف في تشكيل حكومة، فقد ينتهي المسار إلى انتخابات تشريعية جديدة. ويعني ذلك إطالة حالة عدم اليقين السياسي، من دون ضمان أن تنتج الانتخابات المقبلة أكثرية مختلفة.
فالانقسام الحالي لا يتعلق فقط بالخلاف على نتنياهو، بل أيضاً بتباين المواقف داخل المعسكر المعارض نفسه، وبصعوبة الاتفاق على دور الأحزاب العربية في أي حكومة جديدة.
وفي حال تعذر تأمين الأكثرية، قد تستمر الحكومة القائمة في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وفق الإجراءات الدستورية المعمول بها. لكن استمرار هذا الوضع قد يؤخر اتخاذ قرارات في ملفات داخلية وخارجية تتطلب حكومة تتمتع بتفويض برلماني واضح.
ولا يعني هذا السيناريو أن الانتخابات المبكرة أصبحت حتمية؛ إذ تظل المفاوضات قادرة على إنتاج تسوية بين الأحزاب. لكن احتمال العودة إلى صناديق الاقتراع يبقى قائماً إذا أخفقت محاولات تشكيل ائتلاف.
الأحزاب العربية: مفتاح حسابي وعقدة سياسية
تشكّل المقاعد المتوقعة للأحزاب العربية، والبالغة 17 إلى 18 مقعداً وفق استطلاعات الخروج، أحد أبرز عناصر المعادلة الجديدة. فهذه المقاعد قد تؤثر في قدرة أي معسكر على تأمين الأكثرية، لكنها لا تعني تلقائياً أن الأحزاب العربية ستشارك في الحكومة أو ستمنح دعمها لأي طرف.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: المعارضة تحتاج إلى توسيع قاعدتها البرلمانية، لكن عدداً من قادتها يرفض إشراك الأحزاب العربية في الائتلاف الحكومي. وقد يدفع ذلك إلى البحث عن صيغة دعم من الخارج، إلا أن هذا الخيار بدوره يحتاج إلى تفاهمات سياسية لم تُحسم بعد.
وبذلك، لا تكمن أهمية الأحزاب العربية في عدد مقاعدها فقط، بل في طبيعة الدور الذي ستختار أداءه، وفي استعداد الأطراف الأخرى للتعامل معها بوصفها شريكاً برلمانياً أو قوة داعمة من خارج الحكومة.
