لم يعد السؤال مجرّد هاجس عابر في يوميات اللبنانيين، بل تحوّل إلى قلق دائم يرافقهم في منازلهم وأماكن عملهم، ويتسلّل إلى أحاديثهم العائلية وخططهم للمستقبل.
فبين التهديدات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية، وارتهان مصير البلاد والعباد لتطورات الانتخابات الإسرائيلية والأميركية وما قد تحمله من انعكاسات على المنطقة، يعود القلق ليفرض نفسه، وكأن اللبنانيين كُتب عليهم البقاء في دائرة الانتظار والترقّب.
قلق يتجاوز الخوف من الحرب
لا يقتصر هذا القلق على الخشية من القصف أو النزوح أو فقدان الأحبة، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: هل ستبقى الطرقات آمنة؟ هل يمكن التخطيط للسفر أو الدراسة أو العمل؟ هل سيأتي أولادنا لنعيّد العيد معاً؟ وهل من المجدي البدء بمشروع جديد في بلد قد تتغيّر أحواله خلال ساعات؟
تتراكم هذه الأسئلة لتخلق شعوراً بالعجز أمام أحداث تبدو أكبر من قدرة الفرد على التحمّل، فيفقد كثيرون إحساسهم بالسيطرة على حياتهم، ويجدون صعوبة في التخطيط للمستقبل أو حتى الاستمتاع بلحظاتهم اليومية.
وقد يتجلّى هذا الضغط في اضطرابات النوم، وسرعة الانفعال، والتفكير المستمر في السيناريوهات الأسوأ، فضلاً عن الإرهاق النفسي الناتج من متابعة الأخبار المتلاحقة. ومع تكرار الأزمات، قد يتحوّل التأهّب الدائم إلى حالة من الاستنزاف النفسي يصعب التخلص منها، حتى في الفترات التي تهدأ فيها المواجهات.
الأخبار مصدر للإنهاك
في لبنان، لا يحتاج القلق إلى حدث استثنائي كي يتجدّد. يكفي انتشار خبر عاجل، أو تصريح سياسي، أو تحذير أمني، حتى تبدأ التكهنات وتتصاعد المخاوف، خصوصاً مع الانتشار السريع للمعلومات غير المؤكدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبين الأخبار العاجلة والتحليلات المتناقضة والتوقعات المتشائمة، يجد المواطن نفسه أمام سيل من المعلومات، يزيد شعوره بالارتباك بدلاً من مساعدته على فهم ما يجري.
لذلك، لا يعني التعامل مع القلق تجاهل الأخبار أو التقليل من خطورة الواقع، بل تنظيم متابعة المستجدات، والاعتماد على مصادر موثوقة، والابتعاد عن التحديث المستمر الذي يجعل الإنسان أسير الاحتمالات.
ست خطوات للتعامل مع القلق واستعادة التوازن
أولاً: نظيم متابعة الأخبار تخصيص أوقات محددة لمتابعة المستجدات، والاعتماد على مصادر موثوقة، وتجنّب ال أخبار غير المؤكدة والتحديثات المستمرة.
ثانيًا: التركيز على ما يمكن التحكم فيه بدلاً من استنزاف النفس في القلق من القرارات السياسية والتطورات الإقليمية، مثل التركيز على الصحة والعمل والأسرة والخطط الشخصية.
ثالثًا: الحفاظ على الروتين اليومي الالتزام بمواعيد النوم والوجبات وممارسة النشاط البدني يساعد على تعزيز الشعور بالاستقرار وسط الأزمات.
رابعًا: تعزيز الروابط الاجتماعية التحدث مع العائلة والأصدقاء، وتبادل الدعم والمخاوف، يخفف الشعور بالعزلة ويعزز القدرة على مواجهة الضغوط.
خامسًا: تحويل القلق إلى فعل يمكن للتطوع ومساعدة المتضررين والمشاركة في المبادرات المجتمعية أن تمنح الفرد شعوراً بالقدرة على التأثير وتجاوز العجز.
سادسًا: طلب المساعدة عند الحاجة إذا استمر القلق وأثّر في النوم أو العمل أو العلاقات، فمن المهم الاستعانة بمختص في الصحة النفسية، حفاظاً على التوازن النفسي.
طبعًا المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، ولكن في ظلّ عدم الاستقرار السياسي والأمني، وعدم وجود مؤسسات قادرة على حماية المواطنين وتقديم معلومات واضحة وموث وقة، كلها عوامل تحول دون ترسيخ الشعور بالأمان وتُصعّب على المواطنين التخطيط لمستقبلهم بثقة واطمئنان.
فتعزيز الثقة بالدولة ومؤسساتها، وضمان الشفافية في التعامل مع الأزمات، وتوفير المعلومات الدقيقة في الأوقات الحرجة، أمور أساسية للحد من القلق الجماعي. فليس من المنطقي مطالبة المواطنين بالتكيّف مع الأزمات وحدهم، فيما تبقى قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية وحماية مستقبلهم مرتبطة بتطورات لا يملكون السيطرة عليها.
في النهاية، قد لا يملك اللبناني جواباً حاسماً عن السؤال الذي يلاحقه: هل ستقع الحرب؟
لكنه لا ينبغي أن يضطر إلى تعليق حياته بالكامل بانتظار الإجابة.
فالتعايش مع عدم اليقين لا يعني إنكار المخاطر، بل حماية النفس من أن تتحوّل المخاوف المحتملة إلى معاناة يومية مؤكدة.
