كشفت دراسة أمريكية حديثة أن نحو واحد من كل ثلاثة شباب بالغين استعان بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للحصول على معلومات عن المخدرات والكحول، في مؤشر يثير تساؤلات بشأن دقة النصائح الصحية التي تقدمها روبوتات الدردشة، وتأثيرها المحتمل في قرارات الشباب وسلوكياتهم.
مع الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لم تعد روبوتات الدردشة مجرد أدوات للمساعدة في الكتابة أو الدراسة أو إنجاز المهام اليومية، بل أصبحت أيضًا مصدرًا يلجأ إليه الشباب للحصول على معلومات تتعلق بالصحة والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر. غير أن هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول مدى موثوقية المعلومات التي تقدمها هذه الأدوات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتعاطي المواد المخدرة والكحول.
وأظهرت دراسة نُشرت في مجلة «JMIR Formative Research» أن 32% من أصل 995 شابًا بالغًا في الولايات المتحدة، تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل «ChatGPT» و«Google Gemini» و«Meta AI»، للحصول على معلومات تتعلق بالمخدرات والكحول.
وتسلّط هذه النتائج الضوء على تنامي دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل الطريقة التي يبحث بها الشباب عن المعلومات الصحية، في وقت يحذّر فيه الباحثون من أن الإجابات غير الدقيقة أو المضللة قد تؤدي إلى قرارات غير آمنة، لا سيما عند التعامل مع مواد قد تترتب على تعاطيها مخاطر صحية خطيرة.
استخدام متكرر وثقة متزايدة في روبوتات الدردشة لم يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات عن المخدرات والكحول على الاستفسارات العرضية، إذ أظهرت الدراسة أن نحو نصف المشاركين الذين استعانوا بهذه الأدوات لهذا الغرض يستخدمونها مرة واحدة على الأقل شهريًا.
ومن بين هؤلاء، أفاد 12% بأنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي أسبوعيًا، فيما قال 4% إنهم يلجؤون إليه يوميًا أو بصورة شبه يومية.
وقالت ميريا تريغيرو رويرا، الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة روتغرز والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن استخدام هذه الأدوات قد يقود إلى سلوكيات تعاطٍ غير صحيحة أو محفوفة بالمخاطر بين الشباب، وهي فئة عمرية قد تكون أكثر عرضة لبعض الآثار السلبية المرتبطة بتعاطي المواد.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في ظل الثقة التي يبديها المستخدمون تجاه الإجابات التي تقدمها روبوتات الدردشة. فقد منح المشاركون الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي للاستفسار عن المواد المخدرة والكحول متوسط تقييم بلغ 3.66 من أصل خمس درجات من حي ث الثقة، مقارنة بـ3.51 للاستخدام العام لهذه الأدوات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن بعض المستخدمين قد ينظرون إلى الإجابات التي يتلقونها باعتبارها مصادر موثوقة، رغم أن تقييم الثقة الشخصية لا يثبت بالضرورة صحة المعلومات أو دقتها الطبية.
ما الذي يبحث عنه الشباب عند سؤال الذكاء الاصطناعي عن المخدرات؟
أظهر الاستطلاع الإلكتروني، الذي أُجري في أبريل 2026، أن البحث عن مخاطر تعاطي المواد وعواقبه كان الدافع الأبرز لاستخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.
فقد أشار نحو 93% من المشاركين الذين استخدموا هذه الأدوات للحصول على معلومات عن المواد إلى أنهم بحثوا عن المخاطر والعواقب المرتبطة بالتعاطي.
كذلك، سعى نحو نصف المستخدمين إلى معرفة معلومات عن مادة محددة، بما في ذلك أسئلة تتعلق بالجرعات، في حين استخدم 35% الذكاء الاصطناعي لاستكشاف موضوعات مرتبطة باضطرابات تعاطي المواد، مثل الإدمان.
وتكشف هذه النتائج أن الأسئلة المطروحة لا تتعلق بالضرورة بتجربة التعاطي وحدها، بل تشمل أيضًا الرغبة في فهم المخاطر الصحية، ومعرفة تأثير مواد بعينها، والتعرف إلى الاضطرابات المرتبطة باستخدامها.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن طبيعة هذه الاستفسارات تجعل دقة الإجابات مسألة بالغة الأهمية؛ إذ قد تؤدي المعلومات الناقصة أو غير الملائمة للسياق الصحي الفردي إلى التقليل من خطورة بعض المواد أو إعطاء انطباع خاطئ بشأن سلامة استخدامها.
الذكاء الاصطناعي لا يحل محل محركات البحث التقليدية
على الرغم من انتشار روبوتات الدردشة، لا يبدو أنها أزاحت محركات البحث التقليدية بصورة كاملة.
فقد أظهرت الدراسة أن 93% من المشاركين الذين طرحوا أسئلة عن المواد المخدرة والكحول على أدوات الذكاء الاصطناعي استخدموا أيضًا محرك البحث «Google» للغرض نفسه.
ويشير ذلك إلى أن الشباب قد يعتمدون على الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة إضافية إلى جانب وسائل البحث المعتادة، وليس بديلًا عنها بالضرورة.
لكن الجمع بين أكثر من وسيلة للحصول على المعلومات لا يضمن تلقائيًا الوصول إلى إجابات صحيحة، خصوصًا إذا كانت المصادر المستخدمة غير موثوقة أو إذا لم يتمكن المستخدم من التمييز بين المعلومات المدعومة بالأدلة والادعاءات غير الدقيقة.
ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز الثقافة الصحية والرقمية لدى الشباب، ومساعدتهم على تقييم المعلومات التي يحصلون عليها عبر الإنترنت، والرجوع إلى مصادر طبية موثوقة عند التعامل مع مسائل تتعلق بالمخدرات والكحول أو الصحة النفسية والجسدية.
فروق في استخدام الذكاء الاصطناعي بين الفئات الديموغرافية
رصدت الدراسة أيضًا اختلافات في استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات عن المواد المخدرة والكحول تبعًا للعرق والجنس.
فقد كان المشاركون السود أكثر احتمالًا للإبلاغ عن استخدام هذه الأدوات لهذا الغرض مقارنة بالمشاركين البيض، إذ بلغت نسبة الاحتمالات المعدلة 2.52 مرة. كما سجل الرجال احتمالات معدلة تقارب ضعف الاحتمالات المسجلة لدى النساء.
ولا تعني هذه الفروق بالضرورة أن إحدى الفئات أكثر عرضة لتعاطي المخدرات، بل إنها تتعلق باحتمالية استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات بشأن هذه المواد.
وفي تفسيرها لهذه النتائج، أشارت تريغيرو رويرا إلى أن التفاوتات الملحوظة قد تعكس اختلافات في إمكانية الحصول على الرعاية الصحية، ومستويات الوصمة الاجتماعية، والثقة بالمصادر الصحية، فضلًا عن اختلاف سلوكيات البحث عن المعلومات.
وتطرح هذه الملاحظات تساؤلات حول الدور الذي قد تؤديه الأدوات الرقمية في سد بعض فجوات الوصول إلى المعلومات الصحية، وكذلك حول ضرورة التأكد من أن ا لإجابات المقدمة تلبي احتياجات مختلف الفئات بصورة دقيقة وآمنة.
مخاوف صحية تستدعي مزيدًا من البحث
لا تثبت نتائج الدراسة أن روبوتات الدردشة تقدم معلومات خاطئة في كل مرة، كما لا تثبت أن استخدامها يؤدي حتمًا إلى سلوكيات خطرة. لكنها تكشف عن انتشار استخدامها في مجال حساس، وتؤكد الحاجة إلى تقييم جودة الإجابات التي تقدمها ومدى تأثيرها في قرارات المستخدمين.
وشدد الباحثون على أهمية إجراء دراسات مستقبلية تختبر دقة المعلومات المتعلقة بالمخدرات والكحول التي تنتجها روبوتات الدردشة، وتبحث أسباب الاختلافات بين الفئات الديموغرافية في استخدامها، فضلًا عن تحديد مدى تأثير هذه المعلومات في المواقف والسلوكيات الفعلية للشباب تجاه تعاطي المواد.
كما تبرز الحاجة إلى توضيح حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه مصدرًا للمعلومات الصحية، إذ لا ينبغي التعامل مع إجاباته باعتبارها بديلًا عن التقييم الطبي المتخصص، ولا سيما في المسائل التي قد تنطوي على مخاطر فورية أو تفاعلات خطيرة بين المواد والأدوية.
كيف يمكن للشباب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر أمانًا؟
مع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي واتساع استخدامها، يصبح من الضروري التعامل معها بوعي، خصوصًا عند البحث عن معلومات صحية حساسة.
ويمكن تعزيز الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات من خلال التحقق من المعلومات بالرجوع إلى مصادر صحية رسمية وموثوقة، وعدم الاعتماد على إجابة واحدة لاتخاذ قرارات تتعلق بالجرعات أو خلط المواد أو تقدير مخاطر التعاطي. كما ينبغي طلب المشورة من مختصين صحيين عند الحاجة، بدلًا من الاكتفاء بإجابات عامة قد لا تراعي الظروف الفردية.
وفي المحصلة، تكشف الدراسة عن تحول مهم في سلوك الشباب الرقمي، حيث بات الذكاء الاصطناعي حاضرًا في أسئلتهم المتعلقة بالصحة والمخاطر. غير أن اتساع استخدام هذه الأدوات لا يكفي وحده للحكم على فائدتها؛ إذ تبقى دقة المعلومات وسلامتها، وقدرة المستخدمين على تقييمها، عوامل أساسية لتحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيسهم في نشر الوعي الصحي أم قد يضيف تحديات جديدة أمام الصحة العامة.
